تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
المثقف والناشط مصعب غربي يصرح لموقع "الجزائر برس": القراءة للجميع... هكذا ولدت "قسنطينة تقرأ"

  تؤكد مقولة أمريكية أن "السعادة في اختياراتنا"ويؤكد المثقف مصعب غربي ذلك، من خلال تجربته في خوض أكثر من مجال أتقنه، بداية بنوع رياضي ثم تخصص هندسي، وأخيرا وليس آخرا -من يدري- شغف أدبي قرائي انتهى به ليصدح عاليا شامخا "قسنطينة تقرأ"...... لم يهمه أنه جاء من أقاصي قريته الغارقة في الفلاحة "برج مهيريس"، ولا همه أنه تكبد الكثير من المعارك والخصومات....إنه سعيد باختياره ووالدته تبارك خطواته ...إنه يصنع شيئا من الثقافة ...فقسنطينة اليوم تقرأ، ذلك هو الأهم ....

  *حوار زهور غربي

  • دعنا نبدأ من آخر نشاطاتكم، الحدث القرائي الأكبر في الجزائر "الملتقى الوطني لنوادي وفعاليات القراءة"، كيف وجدتم هذا الحدث ؟

  يعد الملتقى الوطني لنوادي وفعاليات القراءة، الحدث القرائي الأكبر فعلا، إذ لم نشهد مثيلا له أبدا، من الجانبين الضمني والتنظيمي، وهنا أقول؛ بيد أنه لا يحتاج إلى مدح أو إلى أن نرمي عليه الورود، إلا أنه يجب الاشارة إلى كونه لم يأتي من عدم. كيف ذلك؟ لأن هناك نقطتين مهمتين وأساسيتين مهدتا له. أما الأولى، فهي النوادي والجمعيات القرائية، وهنا أنا أخص بالحديث جمعيتي "قسنطينة تقرأ"، قامت بنشاطات ومبادرات عديدة، متواضعة ولكن دائما ما كان لها أثرها.. وما جعل تلك البساطة تأخذ الصدى، هو نجاحها على الرغم من البيروقراطية المتفشية في تلك السنوات. وقد نجحنا في تحويل الفكرة من مجرد صفحة على الفيسبوك، إلى نادي أدبي، ومن ثمة إلى جمعية أدبية قانونية. والأمر لا يمكن اختزاله في أسطر.. من ناحية ثانية؛ هذا الملتقى ناجح ولم يأتي من عدم، لأن: مدير الكتاب الحالي الروائي اسماعيل يبرير وقبل أن يصبح مديرا، كان ضيف شرف في عدة نشاطات أقامتها جمعية قسنطينة تقرأ وكذلك جمعيات ونوادي أخرى، وبعد احتكاكه وتواصله مع هذه الأخيرة خطط رفقة وزارة الثقافة، وهنا يمكن الإشارة أيضا إلى أن الوزيرة الحالية د.مليكة بن دودة، وقبل أن تصبح وزيرة كان لها لقاءات مع عدد من الكتاب والمثقفين في برنامجها "فيلو-تولك" على قناة الجزائرية وان، وبعد أن أصبحت وزيرة تواصلت في العام الماضي وفي ظل الجائحة مع عدد معتبر جدا من الأندية النشطة عبر منصة تطبيق زوم. وأيضا الكاتب والإعلامي احميدة العياشي، قبل أن يصبح مستشارا كنت ضيفه على برنامجه "ضيف احميدة العياشي" على قناة الحياة، وتناولنا مختلف المواضيع والأفكار والعوائق والرؤى والإنجازات المتواضعة والاقتراحات وغيرها.

  هذه الاحتكاكات، تراكمت وقرّبت نوادي وجمعيات القراءة من هؤلاء المسؤولين قبل أن يحملوا حقائب مسؤولياتهم. بعد هذه الخطوات، تمت الدراسة والبرمجة بين الجميع، وارتأوا إقامة هذه الفعاليات القيّمة من حيث المحتوى، خاصة وأن ظاهرة انتشار النوادي القرائية، بدأت تنتشر بشكل ملفت. لهذا جاءت البرامج بطريقة لن نجدها حتى في الجامعات المختصة. من منصات قيمة، اعتلاها كتّاب كبار ومحترمون تحدثوا عن تجاربهم في القراءة والكتابة منذ نشأتهم حتى إلى ما وصلوا إليه اليوم؛ أمثال الأديبة زهور ونيسي، والروائي أمين الزاوي، والكاتب العميد عبد العالي عرعار، والروائي فيصل لحمر، وغيرهم من الكتاب المحترمين.

  هذا، وأقيمت ورشات ثرية أيضا للتأطير والتوجيه، والعديد من الندوات... وقد خرجت من الملتقى، شخصيا، بزاد سيختصر عليّ الكثير من المسافات.

  • على ماذا تركزت نشاطاتكم كجمعية في هذا الحدث ؟

  إن حضور جمعية "قسنطينة تقرأ" كان ممثلا في شخصي، كون الأعضاء كلهم كان لديهم ظروف إما عائلية أو ظروف عمل والتزامات بالدراسة وغيرها، والتي حالت دون مشاركتهم في الحدث، وبما أنني تشرفت بأن كنت أحد الأعضاء المنظّمين، فأعتقد أن الجواب هو أن الجمعية كان لها دور تنظيمي في هذا الحدث الكبير. 

 

  • على ماذا تركزت نشاطاتكم كجمعية في هذا الحدث ؟

  إن حضور جمعية "قسنطينة تقرأ" كان ممثلا في شخصي، كون الأعضاء كلهم كان لديهم ظروف إما عائلية أو ظروف عمل والتزامات بالدراسة وغيرها، والتي حالت دون مشاركتهم في الحدث، وبما أنني تشرفت بأن كنت أحد الأعضاء المنظّمين، فأعتقد أن الجواب هو أن الجمعية كان لها دور تنظيمي في هذا الحدث الكبير. 

  • برأيكم ما هي أهم مخرجات هذا الملتقى ؟

  أعتقد أنني سأقدم رأيي المجرد، وبداية أرى أن الهدف الرئيسي هو كسر الحواجز بين الكتّاب والقرّاء، والكتّاب والكتّاب، وأيضا بين نوادي وجمعيات القراءة أنفسهم، وإذابة الجليد بين هذا وذاك، وتبادل الأفكار والرؤى، واعتقد أن الأمر قد نجح إلى حد ما.

  لقد كانت هناك منصة تحت اسم "مشاريع القراءة"، يقوم فيها ممثل النادي بطرح مشروعه القرائي على أصدقائه وعلى اللجنة المكونة من الشاعر عاشور فني والروائي بومدين بلكبير وغيرهم، ومناقشتها وتأطيرها وتقديم النصائح والإرشادات.

  هذا، وقد كانت هناك ورشات تعنى بالطفل، قدمتها الدكتورة كنزة مباركي، وقد استفاد منها الأطفال وحتى الأولياء من خلال الطرح التالي: ماذا نقرأ على الطفل في سن الثانية والثالثة؟ ماذا وكيف نجعله يقرأ في سنوات متقدمة أخرى أثناء نشأته ومراهقته؟ وأيضا كيف نقرأ من الأساس؟ قدمتها الدكتورة والروائية أمينة شيخ. وورشة رائعة عنوانها: كيف نقرأ الفلسفة في ظل الصخب اليومي؟ قدمتها الدكتورة نعيمة حاج عبد الرحمان.

  كل هذا وغيره، كان له تأثيره، إذ تغيرت المفاهيم لدى الكثير من المشاركين الشباب، دون أن أنسى النهاية التي ارتأينا فيها على أن اتحاد النوادي والجمعيات على فكرة أو أفكار معينة، هو أمر ضروري، ولكن على شرط أن نلتزم بها جميعا، وهو ما من شأنه المساهمة في الارتقاء وتحريك المشهد الأدبي والثقافي الجزائري الكبير.

  وقد كانت هناك ملاحظات جُمعت وطرحت على وزيرة الثقافة، من بينها استمرارية هذا الحدث الكبير، وأيضا فيما يتعلق بإحيائه بشكل دوري وبالتناوب في كل مرة على تبنيه في ولاية مختلفة. وقد أعربت الوزيرة على موافقتها. وهنا يأتي دور وجدية الجمعيات والنوادي في التزامها وإثباتها، لكونها تستحق الثقة التي منحت إياها. وأرجو أن يتم ذلك فعلا.  

 

  • أطلقت جمعية "قسنطينة تقرأ" قبل هذا الحدث، الطبعة الأولى من المسابقة الوطنية "القارئ النموذجي" تحت شعار "نزرع على وسادتك كتابا"، كيف جاءت فكرة هذه المسابقة ؟

  جاءت الفكرة بينما كنت في سهرة مع صديقين مقرّبين في المقهى، كان ذلك في شهر ديسمبر الفارط. وكوني مهتم بالأدب العالمي وكل ما هو ثقافي، كنت أتابع مختلف النوادي والنشطاء الثقافيين في مختلف دول العالم، وخاصة الوطن العربي الكبير. وكنت مهتما بالنشاطات والمسابقات. ورأيت أن صديقي شيار عفريني رئيس نادي المدى السوري، قد أعلن عن فعاليات تكريم القارئ النموذجي السوري، ودون أن اطلع على محتوى الموضوع، تبادرت إلى ذهني فكرة إحياء مسابقة، تحمل العنوان نفسه، ولكن بمضمون خاص. مضمون طالما فكّرت في أنه كبير ومهم. تناولت الأمر أولا مع رفاقي والذين هم في الأصل خريجي جامعات، وأعجبوا بها. ثم اتصلت ببعض الأعضاء: القاص سامي حباطي، والمترجمة إكرام صغيري، والروائية وفاء خالد والشاعر حليم بولكعيبات، والصديق الشاعر يحيى مدقن. واقترحت عليهم الفكرة ورأيهم فيها. فاعجبوا بها أيضا. وهنا ارتأينا أن نجعل مضمونها هادفا أكثر. فوضعنا شرطا أساسيا هو قراءة أكثر من عشرين مؤلفا جزائريا، من أجل المساهمة في الارتقاء بالمشهد الأدبي الجزائري الكبير. هذا، وتم وضع بعض البنود، كأن تكون الكتب المقروءة ورقية، وذلك لإعادة الحميمية ببين القارئ والكتاب الورقي الجزائري. وأيضا على المشارك أن ينشئ بطاقة قرائية أو تعريفية بالكتاب في عدد من الكلمات لا يتجاوز 750 كلمة. وهدفها الأساسي هو تثمين فعل القراءة ونقله من المستوى الفردي إلى المستوى التفاعلي. مع استمارة وتعهد بالالتزام بالصدق. ترسل من طرف المشارك في شهر أكتوبر من نفس السنة. 

  • المثير للاهتمام أنها تقبل فقط بطاقات قرائية لكتب جزائرية، لماذا هذا التخصيص ؟

  إن القارئ الجزائري، يتفاوت من حيث المستوى، وللقراءة أنواع كثيرة؛ فمنها الفوضوية، والتأسيسية، والعميقة، وأنواع أخرى كالمحفوظة والتقنية، والقراءة بأثر رجعي... وغيرها. هنا يأت دور ونوع القارئ، يتميز كل واحد بطريقة معينة، كأن تكون له ذائقة خاصة، وأساليب مختلفة في استعمال أدوات الحفر في النصوص، ويوجد الفطن والنبيه والذكي... الى آخره. وكل واحد يمكنه تشكيل بطاقة تعريفية حسب وجهات نظره وآرائه وملاحظاته. وأن يقدم مكتسباته القرائية وفق خطوات. ويسجل كل شيء على ورقة. وعلى هذا الأساس سيتم التقييم. وأيضا على المشاركين الذين يصلون إلى القائمتين الطويلة والقصيرة وكذلك المتوج بالمرتبة الأولى، هم معنيون جميعا بجلب الكتب المقروءة معهم. وقد أفادنا الأكاديمي والناقد محمد لمين بحري، أثناء إحدى ورشات القراءة في الملتقى الوطني أو الحدث القرائي الأكبر، بالتفصيل في أنواع القراءة سالفة الذكر. وكيف ننشئ بطاقة تعريفية لكتاب ما وبطريقة أكاديمية دقيقة. سننشرها قريبا لتعم الفائدة، ويتبعوا خطواتها. وستعتمد عليها اللجنة أيضا في تقييمها للأعمال. والمسابقة قبل وبعد كل شيء هي تجريبية، سنقيس نتائجها لبناء ما هو أدق دائما. 

 • تطلق الجمعية منذ ميلادها العديد من المسابقات، لماذا التركيز على المسابقة دون غيرها من الفعاليات ؟

  عليّ أن أشير إلى بعض الإنجازات المتواضعة. بداية قمنا بإحياء مبادرة فريدة انطلقت في سنة 2017 واستمرت على ثلاث طبعات، أي ثلاث سنوات. تحت عنوان "سفير الكتاب"، محتواها ينص على أن كل قارئ من الشرق لا يستطيع السفر إلى العاصمة لاقتناء الكتب، لسبب أو لآخر (الارتباط بالعمل، العائلة، التكاليف...) يمكنه التواصل مع جمعية "قسنطينة تقرأ" ويقدم طلبياته وتقوم هي بالبحث عنها. ثم يرسل مبلغ الكتاب ونقتنيه له ونوصله إلى قسنطينة ليستلم القرّاء كتبهم، دون أن نأخذ منهم دينارا واحدا إضافيا عن سعر الكتاب.

  هذا، وقامت "قسنطينة تقرأ" بإحياء أول لقاء للكتّاب الشباب الجزائريين، أين جمعت أزيد من 15 كاتبا شابا في جامعة صالح بوبنيدر3، وكان هذا في سنة 2017. وأيضا قامت الجمعية في السنة الموالية بنفس الفكرة تقريبا ولكن مع برنامج أكثر احترافية، جمعنا أزيد من 40 كاتبا وروائيا، ليوقّعوا أعمالهم ويقيموا محاضرات مختلفة، وكان هذا تحت عنوان "لقاء أجيال أبوليوس"، وكان ذلك بدار الثقافة مالك حداد.

  أما في سنة 2019، أقمنا برنامج شهري، عنوانه "لقاء بلا حواجز"، هدفه كسر الحواجز بين القارئ والكاتب وإذابة الجليد بينهما، أما محتواه، فكان يعتمد على: نختار اسما أدبيا ما، نتصل عليه أو بالناشر، ونقتني عددا من النسخ بحسب عدد المشاركين الذي لا يقل عن 15، ثم نستضيف الكاتب في قسنطينة ببهو فندق "نوفوتيل"، ونناقش العمل معه، وسط جو محترم وبهيج، تتخلله تكريميات نتكفل بها من جيوبنا نحن كأعضاء. والهدف كان إعادة الحميمية بين القارئ والكتاب الورقي. وأيضا المساهمة في تحريك سوق الكتاب الجزائري، والهدف الأساسي، هو الاحتفاء بالكتّاب الجزائريين. هذا، ودون أن أنسى مكتبة الشارع التي انطلقت لأول مرة من ولاية باتنة، ثم بُعثت وانتشرت في مختلف ولايات الوطن كفكرة من قسنطينة.

  قد تكون نشاطاتنا الميدانية أقل صدى من المسابقات، كون هذه الأخيرة لا تتطلب حضورا ميدانيا من المشاركين، وتعتمد على إبراز المواهب، وأرضيتها هي مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبح الجميع لا يستغني عنها. وهنا استغلنا الأمر واستقطبنا مواهب كتابية مبدعة، وقد نجحنا خلال ثلاث طبعات في إيصال مسابقة الفن القصصي إلى مستوى محترم، وذلك بالنظر لمستوى المشاركين، من دكاترة وأطباء وكتّاب لديهم إصدارات محترمة سابقا. وأعتقد أن السبب في استمرارية المسابقات وتركيزنا عليها هو كونها لا تتأثر بأي ظرف كان، سواء بيروقراطي أو صحي أو غيرهما، مهما كانت الالتزامات والانشغالات. أما الفعاليات الميدانية، فسننجح فيها نجاحا مبهرا في حالة ما إذا تغيرت ذهنية العمل الجمعوي في الجزائر.  

من هو مصعب غربي؟

  نشأت في قرية "برج مهيريس"، أحاول أن أكون مواطنا صالحا. وهذا كل ما في الأمر. 

 

  • ترسم العديد من المبادرات الثقافية الفردية معالم جديدة للثقافة في الجزائر بعد أن كانت تعتمد على الوصاية وأيضا الريع،... ما رأيك؟

  إن المجتمع العربي يعيش ظواهر ثقافية متناقضة في الظاهر ولكن جوهرها واحد، كلها تبعد الفرد عن مجتمعه الحقيقي وتأخذه إلى الأحلام، إلى فضاءات لا عقلية، وواهمة ووهمية. يتعلق الفرد هناك ويبقى يبحث عن حلول لمشاكله. ثقافة الاستهلاك لا يمكنها مساعدة المجتمع على التطور والنمو. وسيبقى الفرد تابعا لأوهام بعيدة. بعيدة عن الموضوعية. وقد أشار إلى ذلك المفكر عبد الرحمان منيف. مثقفنا طالما كان حالما، بعيدا عن الواقع، يجهل آليات التغيير ويكفر بالقوة التي تغير، لذلك نجده يصرخ. وفي المقابل تحدث "إدوارد سعيد" و"أنطونيو غرامشي" عن المثقف العضوي الحقيقي وكيف يؤثر في مجتمعه. وأعتقد أن هذا الأخير متوفر بنسب ضئيلة مقارنة بالمثقف الذي تحدث عنه منيف.

  المثقف الجزائري الحقيقي، الذي يقوم بمبادرات فردية، طالما كان كبيت قصديري تعصف به الرياح على إحدى قمم جبال الألب. وحتى وإن استطاع بمبادراته الفردية أن يساهم في النهوض ببعض معالم الثقافة، فإنه لن يصنع التغيير المرجو، لأنه لا توجد سياسة واضحة تدعم ذلك بشكل صريح. ولا توجد استراتيجيات تستثمر في طاقته، وتضعه في صورة تليق به. إن الناشط الثقافي في الجزائر مثلا، يعاني في صمت دائما، ولن يتجرأ متابعوه على تبني أو مرافقته في دربه، لأنهم يرون فيه المعاناة تمشي على رجلين. فلو كانت هناك سياسة تستثمر في المثقف (كاتب، فنان، موسيقي، مسرحي... الى آخره)، تهتم به وتستثمر فيه وتروّج له على الأقل بنصف الطريقة التي تفعلها مع لاعب كرة القدم، فأعتقد أن التغيير سيكون عظيما. المشكل أن الوصاية كانت تعتمد على التافهين، والفرص تمنح لمن يميع المجال. أما الحقيقيون، فهم على الهامش. وهناك نراهم يصنعون أمجاد تقتات عليها النخب في الأزمنة التالية.

  خلال السنوات القليلة الماضية، كنا نرى مبادرات فردية بسيطة، ولكنها نوعية وذات قيمة حقيقية، فرضت نفسها، وقاومت رغم البيروقراطية، وصنعت لنفسها اسما ودحضت وكشفت الستار عن المزيفين، أولئك الذين تمت الوصاية عليهم، على حساب المبدعين الحقيقيين، الذين كانت المؤسسة الثقافية مغلقة في وجوههم، مما دفعهم بالنزول بأفكارهم إلى الشوارع، وهناك صنعوا الفارق. أتمنى فقط أن يستمر الحقيقيون في مساراتهم وسككهم، وأن لا يخدعوا. وأن يتذكروا بداياتهم، وأنهم لم يأتوا من عدم. هكذا فقط ستشفى الثقافة.

  • لو نعود قليلا لفكرة "قسنطينة تقرأ" والتي هي امتداد لمكتبة الشارع.. عد بنا رجاء إلى البدايات ؟

   كنت طالبا في السنة أولى ماستر هندسة مدنية بقسنطينة، ومدربا لفئة الناشئة في رياضة "الكاراتي دو" على مستوى مدينتي "عين اعبيد" القسنطينية. وأقرأ في شقتي وفقط. رأيت منشورا يتحدث عن مكتبة وضعت في الشارع بولاية باتنة. وتفاعل البعض من القسنطينيين: لماذا لا ننشئ واحدة. تواصلنا وجمعنا الكتب والمال. وأنجزنا الفكرة. بعدها بدأت المجموعة التي كنت معها في الفكرة برفض أفكاري واقتراحاتي كي ننشط أكثر، وسمعت أحد الأساتذة هناك يقول عن كوني ابن منطقة بعيدة جدا عن مركز قسنطينة، طابعها العام فلاحي، (مع أنها أنجبت الدكاترة والأساتذة والمهندسين الباحثين، والفنانين... وغيرهم). بدأت أسمع: كيف يأتي من قرية "برج مهيريس" أو بلدية "عين اعبيد" ويخطف الأضواء في قسنطينة؟ أزعجني الأمر وانفعلت وتصرفت كأي شاب عشريني اتجاه مجموعة مراهقين. (أنا أحييهم من هذا المنبر وأتمنى لهم كل النجاح ولا أكن لهم إلا المحبة). تم حذفي من الصفحة والمجموعة في الفيسبوك. وعندها توقفت عن الركوب إلى قسنطينة، واللقاء بمثقفيها. كنت معجبا جدا بالبرامج التي تقيمها جمعية "مجانين الثقافة أو نوميديا فنون" تحت قيادة أ. لونيس ياو. وأيضا تلك الفعاليات التي كانت تحييها بالتنسيق معهم الناشرة والصحفية "مريم مرداسي" مع والدها الراحل عبد المجيد مرداسي. غادرت كل هذه الأجواء. لكن والدتي وبعد أن لاحظت عدم تناولي لمواضيع الثقافة والأدب. بدأت تكرر الأسئلة، فأخبرتها أنني انسحبت. فسألتني: وماذا عن كتبك فقلت أنني سأقتني غيرها. وألحت حتى قصصت عليها الأمر. فقالت: بكم يبلغ ثمن هذه المجموعة أو الصفحة الفيسبوكية، سأبيع ذهبي وأعطيك ما تحتاجه. ضحكت حينها، وبعد أن أخبرتها أن الأمر سهل وهذه هي طريقته... قالت أنها ستصلي ركعتين، بينما أفتح صفحة ومجموعة. بينما كانت تفعل ذلك كنت أتساءل: ماذا أسمي الصفحة. ثم تذكرت تلك التصرفات. فقلت: هل يعتقدون أنهم وحدهم من يقرأون. فكتبت "قسنطينة تقرأ" إشارة مني على أن قسنطينة كلها تقرأ. ببلدياتها ودوائرها وريفها وقراها، وليس المركز وحده. ورفعت التحدي. بإحياء مبادرة أو حملة جمع 5000 كتاب، لإنشاء مكتبة شارع أخرى. وفعلت ذلك، (لم أضعها بعد منذ 3 سنوات لأن هناك ظروفا أتحفظ عن ذكرها تحول دون ذلك). المهم، هكذا أصبح لاسم "قسنطينة تقرأ" صدى في الجامعات والمكتبات الخاصة والأوساط الثقافية في قسنطينة.... هكذا كانت البداية تقريبا. 

 

  • كتبت في إحدى المرات أنك تركت حقيبة الرياضة التي خذلتك. وحقيبة الهندسة التي أصابتك بالكآبة وهاجرت إلى عالم كوابيس الأدب.. إلخ، كيف ذلك ؟

  بدأت التدرّب على رياضة "الكاراتي-دو" في التسعينات، واستمر ذلك حتى سنة 2015. تحصلت في مسيرتي على حزام أسود درجة أولى سنة 2011 وحزام أسود درجة ثانية سنة 2014. لكن كان لي طموح بأن أصبح بطلا سواء على المستوى الوطني أو العربي أو حتى الإفريقي. ولكن حدث ما حال دون ذلك. لم أنجح في البطولات. اتجهت إلى التدريب ونجحت في تحويل أطفال صغار إلى أبطال على المستوى الولائي والجهوي، في غضون سنتين فقط. وفي سنة 2018 توقفت. والقصة طويلة ومزعجة. عندما أتذكرها أحس بأنني كنت قادرا ولكنني خذلت، خذلني من في القطاع من إدارة وجمعيات... فهربت من الرياضة وأصبحت مدخنا ممتازا.

  أما الهندسة فقد درستها تقريبا مجبرا، أو لنقل أنني ذهبت إليها تلبية لرغبة والدتي. التي كانت تريد أن أتخصص في شيء علمي. كوني تحصلت على باكالوريا تقني رياضي بتفوق. كنت أرغب في أن أدرس موسيقى أو فنون جميلة. ولكن اتبعت رغبة والدتي، تفانيت في الدراسة فقط في السنة النهائية. وتخرجت كمهندس بعلامة أو بمعدل 16.50، ولكنني منعت من أخذ شهادة تخرجي (شهادة الماستر)، بحجة أن هناك نقطة كانت تنقصني خلفتها في مساري الجامعي. فأصبت بالكآبة ليس بسبب منعي الشهادة، وإنما كون الوالدين كانا يريدانها. وكنت أريد أن أسعدهما بها. وسأبقى أكتئب كلما تذكرت الهندسة.

  أما كوابيس الأدب، فالأدب كان رفيقي منذ أن كنت صبيا، ترعرعت في بيت جدي "ديب الدراجي" أين كانت هناك مكتبة. وكنت أطالع المعلقات السبع، والغزالي، وجبران خليل جبران وأحمد مطر وديل كارنيجي، وكل الكتب التي كانت تخص خالي... عوالم الأدب في نظر من لا يقرأه محض كوابيس وترهات. وطالما أخبرني أصدقائي في مراهقتي أنني مجنون عندما كنت أتجه للمكتبة وأقتني كتبا لـ "ألبير كامو" أو "شارل ديكنز" وغيرهما. وطالما قيل لي في السنوات اللاحقة: تركت الهندسة والرياضة اللتين يمكنك جني المال منهما وذهبت إلى مجال لا يطعمك خبزا. ابتعد عن الكوابيس. فقلت مرحبا بالكوابيس إذن. لأنني لم أجد نفسي ولا جزءا من ذاتي ولم أعرف الحقائق إلا من خلال الكتب وبين عوالم الأدب.  

  • ما هي أهم المشاكل التي تعترض "قسنطينة تقرأ" ؟

  المشاكل التي تعترض "قسنطينة تقرأ" الآن، هي الإصابات والكسور التي تعرضت إليها منذ بدأت إلى السنة الماضية. أي أنها في مرحلة التعافي من الممارسات السابقة. من بيروقراطية وغيرها. لقد تشتت الفريق بفعل تلك الصدامات والصراعات التي كنت أقوم بها من أجل البقاء. أعتقد أن طريقة التعامل مع الجمعيات الثقافية الحقيقية والهادفة يجب أن تأخذ ذهنية أو منهجية أخرى. الطرق التقليدية في التعامل معها لن تجدي نفعا. إنها تنهك قبل الوصول إلى المؤسسة الثقافية. هذا من جهة، ومن ناحية أخرى إن العمل الجمعوي ليس تطوعيا أبدا كما يوصف. بل هو إلتزام وجدية وتفاني ومنهجية متّبعة وأهداف وغايات... وليس تطوع ودعم وصور وبهرجة وتزييف واختلاس.

  • ماهي المشاريع التي تعكفون عليها ؟

  سنواصل في إعلان مسابقاتنا الأدبية، سواء التي تعنى بالفن القصصي، كي نكتشف مزيدا من المواهب التي من شأنها القدرة على تقديم نصوص تضاف إلى المشهد الأدبي الجزائري الكبير. أو تلك المسابقة التي أعلنا عنها مؤخرا والتي حملت عنوان "القارئ النموذجي". هذا وسنعيد إحياء برنامجنا الشهري "لقاء بلا حواجز" في القريب جدا. وسنحدث به ثورة... خاصة إذا ما نجحنا في تعميمه وتبنّيه من طرف مختلف النوادي والجمعيات في مختلف الولايات. وسنضع مكتبات شارع جديدة، في أماكن مختلفة من ولاية قسنطينة. وهناك برامج أخرى مسطرة ومدروسة. أحدها يعنى بإنشاء نوادي قراءة للناشئة، سندخل به إلى المؤسسات التربوية (المتوسطات). وسنحاول إعادة تفعيل مختلف اللقاءات الأخرى... كل شيء يتطلب المال يا صديقتي، ونحن لا نعتمد على الطريقة التقليدية في التمويل. بل ندعم أنفسنا ذاتيا. يعني سنتدفق كلما استطعنا توفير ما يساعدنا على ذلك.

  • وما هو أقصى طموح للجمعية ؟

  العالمية.

إضافة تعليق جديد