تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
المخرج خالد شنة في حوار لـ"الجزائر برس".. "بلغت درجة بيع أشيائي الخاصة لاستكمال فيلمي" ووزارة الثقافة لم تبارك تتويجاتي!!

حوار لـ زهور غربي 

  هل يمكن أن يتخلى الواحد فينا على شيء كبر وشبّ عليه ليبدأ من جديد؟!!.. بلى، هكذا فعل المخرج خالد شنة، بعد أن ترك قيادة الجرار وذهب ليقود المشاهد من خلف الكاميرا. لا أحد سيوقفه، إنه لا ينتظر دعما من أحد. مستعد هو للمزيد من الخسارات .. فقط هو قادم لينجح..

  سنتعرف في هذا الحوار على مسيرة المخرج العصامي، أعماله السينمائية، وتتويجاته العربية والدولية...

  * دعنا نبدأ من حيث أنت منهمك... ماذا تهندس في الخفاء ؟

  كل شيء يحدث ككل مرة، فكرة ورغبة، حلم يتجلّى، هكذا هو عالمي وملاذي، كثيرة هي المشاريع التي تنتظر سحبها إلى النور، تبديد الظّلمة عنها وحده دافعا جديدا لخوض تجربة تحدي، وهذه المرة لأنجز فلما وثائقيا - بسكرة .. سحر الواحة - انطلاقا من مبدأ التراث أنجع وسيلة لصناعة التميز وإبراز الهوية الوطنية والكشف عن ملامح خصوصيتها.

  هذا الفيلم بميزانية صفر دينار، بدأت تصويره قبل جائحة فيروس كورونا، لذا أعتبرها مغامرة لا تقل عما سبقها، في رحلة غايتها تثمين أهمية التراث المادي واللامادي الذي يعكس حضارة الأمم، وكذا توثيق ما تبقى من شواهد المنطقة.

  إنه دَيْن سُكّرة أهم مُدن وواحات الجزائر، سِرُّ مدينة أغوت مبدعي العالم، تاريخها فريد من نوعه في العالم العربي، تأثيرها على ثقافات العالم من خلال ما نبأتنا عنه عديد الوثائق التاريخية، أسماء أجنبية بارزة لها وزنها في شتى المجالات الثقافية منها والفنية، شَقّت أميالٌ من الأراضي ومداد البحار، لترسوا على المتوسط، جانحة نحو الجنوب نحو الضوء والنور، فكتبت وألّفت إشادة بسحر جمالها وأصالتها ووثقت غنى وثراء بسكرة.

  قال عنها التشكيلي "هونري ماتيس" في مذكراته "هنا تشرق الشمس". 

  * لم يعد اليوم إسم خالد شنة، هذا الشاب المولوع بالصورة خفيا، إنه صاحب الجائزة الكبرى بالمهرجان الدولي العربي الإفريقي بالمغرب... هل أشبع هذا التكريم حجم المخاطرة والتحدي الذي أعلنت ؟

  تعود بي الذاكرة، تحضرني دهشة ذاك الصبي لرؤيته للكاميرا، أول حب، وتهوره للهرب بها نحو الغابة يراقصها في تناغم مع صوت اللاقط وضوء الفلاش، نفسه التهور الذي قادني لتحقيق الحلم الذي راودني، الحلم الذي صنعناه، وأنا أعلوا منصة التتويج بتونس في أول فيلم وأول ترشيح، يليه افتكاك جائزة كبرى لثاني فيلم لي، يعتبر حدثا عظيما، نعم، إن لذة النّجاح، مميزة، لي وللّذين آمنوا بي، ووقفوا إلى جانبي، من فنيين وتقنيين شباب هواة.

  لا أبالغ في قول أنني كل ما تهورت أكثر، أشعر أنني حر بشكل أكبر عن البقية، زد ليس ثمة ما أخشاه من المغامرة، ولا ثمة قيود تشدني نحو الخلاص، فأغلال الوهم حطمتها التجربة، ووطأة النجاح تولد النشوة.

  * اخترت من دون الأجناس السينمائية، الوثائقي.. رغم ما يتطلبه من مادة علمية توثيقية بحثية، وأنت المغامر العصامي... لما ؟

                "مؤمن بأن التغيير على عاتق الإدارة وكل المثقفين، لكن الجهة الوصية في جهة والإصلاح الثقافي في جهة"

  أمرين إثنين دفعا بي لإختيار هذا الجنس - الفيلم الوثائقي- رغم أن توجهي نحوه كان صدفة.

  لنتفق أننا نعيش في بلد سياسته الثقافية مهترئة فاقدة للبوصلة، شرخ حقيقي يزيد عن الثلاث عقود يضع الجهة الوصية في جهة والإصلاح الثقافي في جنب آخر، الكثير من الكلام ولا إرادة واحدة لوضع لبنة تسد الفجوة. في حين تمثل الصناعة السينمائية موردا اقتصادي للدول.

  مؤمن بأن رهان التغيير على عاتق الجميع إدارة وفنانين، هذا الذي شدني كي أكون فاعلا على حجم قدرتي في تحريك عجلة الصناعة السينمائية ولو بمفردي، فاعلا في ترميم تلك الفجوة، نحترف السينما لأنفسنا والوطن.

  أيضا الرغبة في فك الصورة المخفية بأمانة والبحث عن عناصرها المبهمة، حافزا للاجتهاد، كصانع أفلام الكشف عن الخبايا والزوايا العاتمة سحر جذاّب، البحث والتوثيق فن وغاية حتى أن عميد مخرجي الوثائقيات أسعد طه يقول " الفيلم الوثائقي هو فن الصيد من الواقع ". 

  * واخترت الأعمال التاريخية رغم تكريسها سينمائيا في الجزائر ، ماذا عن ذلك ؟

               "السينما التاريخية فشلت في تكافؤ الفرص... هناك تمييز في اختيار مواضيع الذاكرة"

  لنتفق أن السينما الجزائرية وإن شملت العشرات من الأفلام التي تعرض محطات عدة من الذاكرة الجماعية، إلا أنها فشلت في تحقيق تكافؤ الفرص، نحن نقف على حقيقة أن جهات ما منذ أمد تمارس تمييز ذاكرة دون أخرى، هناك الآلاف من القصص تليق أن تروى للأجيال، بطولات لعظماء كثر بقت قيد الأدراج وصفحات الكتب حتى الموروث الشفهي غني بها، أيضا إذا كنا نؤمن أن الذاكرة هي جوهر الأمة وهويتها علينا أن نتصالح مع ذاكرتنا حسنها ومرها. وتكون عملية استرجاع الأحداث ومعالجة قضايانا والقضايا الاستعمارية بحقيقتها الكاملة دون نقصان ولا مغالطات. لذا حاجتنا ماسة للتأريخ البصري المستمر.

  * لنعد لسنة 2017 لأول عمل وثائقي "صقر الصحراء"حدثنا عن هذا العمل، وكيف كانت ظروف التحضير له وكم استغرق الأمر ؟

  هنا، الحديث عن تجربة البدايات، يتعلق الأمر بتحدي عظيم، عن عمل يتطلب الكثير من الوفرة، كنت أجهل ماهية صناعة "الفيلم الوثائقي" تماما، ما مبدأه؟ ما أسسه؟ الحل الوحيد الذي أملك هو أن أعكف على القراءة، انغمست في تتبع معناه وأثر صانعيه، وربط ما اكتسبته من خبرات في الصِّحافة، ربّما تمكنت من إنجازه، لما لا؟ الشك أجمل ما يمكن في لحظات المغامرة الكبرى، وهكذا إستغرقت عامين لإنجازه، كنتُ الباحث والمعد، والمحاور، مرة تقني صوت وأخرى تقني إضاءة، العمل كان متواصلا دون ملل، أمضيت منها شهرين كاملين معتكفا بالبيت للتقطيع الأولي (Découpage ) للمادة المصورة من شهادات حية، واختيار الأنسب منها ضمن ما يتطلب التَصوُّر الذي وضعته ابتداءً، مع تدوين ذلك على جدول التقطيع بأقلام ملونة كلٌ والمحور الخاص به، ثم إدراج ذلك بمشروع المونتاج بالحاسوب، بمعنى اختزال ما يقارب 10 ساعات إلى 40 دقيقة بالتقريب، استعدادا لتحديد ما يشمله نص التعليق الذي أوكلته لكاتبين صحفيين متمرسين.

  هناك مسؤولية كبيرة في السينما التاريخية خاصة الوثائقية منها... إنها توثق!! كيف تحرص على حمل هذا الثقل؟ التوثيق أو التأريخ البصري سردٌ للقصص والوقائع بأمانة ودقة، لذا البحث عن الحقيقة يتطلب جهد مضني خلاّق لأشهر.

  في فيلم "صقر الصحراء" أمضيت ستة أشهر في تتبع أثر سيرة حياة الشهيد "مخلوف بن قسيم" و"ليلة النار" أيضا، "الألغام..الإرث القاتل" أشتغل عليه منذ 2018، زيادة على ذلك أمرر مسودتي على تحقيق تاريخي من قبل باحث ومؤرخ للتمحيص والتحقق من صحته.

  بمعنى آخر أنك مقبل على إسترجاع الماضي والتحقيق فيه بشكل صحيح معتمدا على مصادر مختلفة، وإن تعقد الأمر تذهب أبعد من ذلك، تعزز ذلك بدلائل بصرية من مواد أرشيفية من صور، فيديو ووثائق.

  سيلازمك شعور بالتقصير طوال العمل على فيلمك، ويظل يلازمك عميقا يدفعك للسعي وراء جميع المعلومات حتى النهاية. 

  * أكملت في نفس المسار فجاء فيلمك الثاني "ليلة النار" ،لو نتعرف على هذا العمل ؟

               "الناحية الصحراوية كانت غالبا مقصاة من التأريخ المصور"

  أكتوبر 2017، توجّهت لإنتاج وثائقي "ليلة النار"، إعتبرته وقتها تحدي جديد، يعرض أهمّ المحطات التي مرّت بها منطقة الأوراس والزيبان، منذ دخول المستعمر الفرنسي عام 1844 إلى غاية الفاتح من نوفمبر 1954. وفك جدال طويل حول حقيقة وهوية المجاهدين الذين شاركوا تلك الليلة.

  يركز الفيلم على العمليات التحضيرية للهجمات التي قامت بها مجموعة "مدينة بسكرة" التي طالت الأهداف الحيوية، وما أعقب ذلك من ردود فعل الادارة الفرنسية.

  أنتجنا هذا الفيلم للمشاركة في الحفاظ على الذاكرة الحية للثورة الجزائرية، وتركيزا على الناحية الصحراوية التي غالبا ما كانت مقصاة من التّأريخ المصوّر.

  "ليلة النار" تجربة مثمرة، لا تختلف عن الأولى، بميزانية دعم صفر دينار، استغرقت عامين لإنجازه، كان المصورين مهدي رحيم وحامد سويسي السند الأكبر، بعت لإنهائه كل ما أملك حتى هاتفي الذكي، أفلست عقب إنهائه مباشرة، ليدخل مضمار المنافسة بالمهرجان الإفريقي العربي بمدينة زاكورة (المملكة المغربية) ديسمبر 2019، ليفتك الجائزة الكبرى لأفضل فيلم وثائقي متكامل، تحقق مثلما أردته أن يكون.

  * تحرص وزارة المجاهدين، ومعها وزارة الثقافة على تقديم أعمال تاريخية توثق بها للثورة الجزائرية، هل تواصلت معك هذه الجهات الوصية، وهل تلقيت دعما أو تشجيعا منها ؟

           "وزارة المجاهدين لا تملك المال لتقتني أفلام.. ووزارة الثقافة لم تبارك حتى تتويجاتي"!!

  خيبة وألم حقيقيين، لا. توجهت للمركز الوطني للدراسات التاريخية والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 لدعم وعرض تسويق فيلمين وثائقيين تاريخيين، كان جواب مدير المركز "جئت متأخرا، نحن لم نعد نملك المال الكافي، التقشف حال دون اقتناء أفلام جديدة، حملت بنفسي لوزارة المجاهدين، كان الجواب مماثلا.. توج فيلمي الأول بالجائزة الثانية مغاربيا بالجمهورية التونسية والثاني بالجائزة الكبرى لأفضل فيلم متكامل بالمملكة المغربية، غير أن الحدثان مراّ دون أي التفاتة لا على المستوى المحلي ببسكرة ولا على المستوى الوطني، رغم تناول الصحافة للخبرين في 30 مقال ومقابلة متلفزة.

  نشرت تجربتي "أوّل الحلم تجلّى" بمجلة "إنزياحات" في عددها الرابع الصادرة عن وزارة الثقافة التي تترأس إدارة نشرها وزيرة الثقافة الحالية، أردت مشاركة تجربتي أملا مني إيصال صوتي المخنوق وإعلان إفلاسي عبرها مرتين كمنتج جرّاء إنجاز فيلمين، وعجزي عن تسويقهما. وقتها تأكدت أنهم ينشرون ولا يقرؤون فحوى الموضوع وليس هناك أي إرادة في إصلاح الوضع. 

  * كيف تنتج أفلامك؟

  السينما الوثائقية الجزائرية مهمشة ولا بوادر لإرادة حقيقة وملموسة للاهتمام بها ولا بالسينمائيين الشباب بتوفير الفرص وتمكينهم من تجسيد مشاريعهم.

  الإنتاج مرتبط بالتمويل والعرض والتسويق، ثلاثية غائبة تماما، دون هذا لا يمكن الاستمرار، أظنني الوحيد الذي ينتج أفلامه من حر ماله، ويكابر في وجه الزمن.

  * توجت أعمالك بجوائز فجاءت جائزة "الخلال الفضي" في المهرجان المغاربي بتونس عن فيلم "صقر الصحراء" ثم الجائزة الكبرى بالمهرجان الدولي بالمغرب عن فيلم "ليلة النار"... ماذا تضيف لك هذه التتويجات؟

  هي تثمين لاجتهاد وسعي الفرد وتعزيز إيمانه على قدرته في صنع الفارق في ظل بيئة قاتلة، شهادة اعتراف أنك تسير نحو ما تصبوا نحوه خارج وطنك، وأنك على قيد الحياة بالجزائر.

  * اليوم مع التطور التكنولوجي لم تعد السينما في حاجة لمعدات كبيرة، فقط هي في حاجة لأفكار كبيرة وخلاقة... ما رأيك ؟

  التكنولوجيا اليوم تتطور بشكل فائق السرعة، كسرت العديد من القيود، يحدث أن تملك هاتف نقال ذكي مثبت على مانع إهتزاز بحجم راحة اليد لتوثيق أحداث وإجراء مقابلات أشبه بالكاميرا الرقمية. لذا صناعة الأفلام الوثائقية اليوم تعد موازنة بين التكنولوجيا والأفكار، والفكرة التي تجد نفسها بين يدي متمرس ماهر مُلم بأدوات الإنتاج وأداء المعدات بحيث يكون هناك ما يستحق عرضه على الجمهور.

  وهنا يقول باري هامب "ليس كافيا أن تكون لديك فكرة واضحة عما تريد تحقيقه، وإنما عليك إتقان استخدام الأدوات لفعله". 

  * هل ندمت خالد لأنك غيرت قدرك ويومياتك في الواحة ؟

  مؤكد لا، اعتزاز وفخر كبيرين أنني ابن النخلة، فلاح أبا عن جد، من سائق جرافات إلى مخرج أفلام، هو قدري هذا الانحراف، في نهايته بحثا عن ذاتي، عن حياة أخرى بشكل أريده، تلك اللحظات الكبرى من حياة المرء التي تفيض فيها طاقاته الهائلة توجهه نحو هدف واحد لا يرسم معالمه الجديدة أحد سواه.

  * ما هو سقف طموحك خالد ؟

  لنعتبر الأمر رحلة، لا يهم كيف وإلى أين ولا أي أمواج عاتية سأواجه كأي بحار يرحل دون تفكير كثير له البحر وسفينته ولي الجهد والعدسة. تحقيقا لرغبة جارفة، البحث عن تفاصيل الأشياء من زاوية العدسة التي أرى من خلالها عالما مختلفا.

  * هل استحق هذا الحلم كل هذا ؟

  "ليست الإرادة أن تربح ذلك المهم، الإرادة أن تستعد لكسب ما يفصل بالفعل بين أولائك الذين يرغبون ويحلمون وأولائك الذين يجعلون ذلك يحدث" كواش ديك تومي.

إذا ما اقترن الشغف والمغامرة يجعل الحلم يحدث، تجرني الرغبة لبعث إشعاع يضيء عتمة أولائك الراغبون في خوض تجاربهم، يرحلوا نحو آمالهم دون انتظار.

  ذلك الذي فعلته، قيدٌ كان يتوجب علي كسره للتحليق بعيدا، لا يمكننا أن نرتفع عاليا وهناك ما يكبّلنا بثقله نحو الأسفل.

إضافة تعليق جديد