الباحثة في التراث / عائشة بلبالي - ولاية أدرار
يعاني سكان المنطقة الصحراوية بصفة عامة، كل سنة في فصل الصيف، من شدة الحرارة سيما في الظهيرة، ولم يكن لدى السكان قديما إمكانات لصد هذه الأجواء الصعبة خصوصا آلات تبريد لحفظ مأكولاتهم ومشروباتهم، كما أنه لم تكن هناك قنوات الشرب أو حنفيات موصولة من خزانات كبيرة إلى حد المنزل كمثل اليوم، بل كانوا يعانون من أجل جلب الماء الشروب من الآبار والسواقي، التي كانت في الغالب تبعد بكثير عن مقر السكن، وقد كانوا أحيانا يستعينون بالدواب لحمل دلاء الماء، وحين حصولهم على ذلك بمشقة يحفظ في مصنوعات تقليدية مختلفة كانوا هم أهل أفكارها وإنجازها.
ومن بين هذه المصنوعات لحفظ الماء الشروب باردا: "القلل": وهي وسيلة مخصصة لعدة غايات من بينها التخبيز وحفظ الماء إلخ...
تصنع "القلة" من الطين الخالص وتحمى بالحطب وتنظف جيدا وتخصص لحفظ الماء الشروب وتبريده.
توضع "القلل" في رحب البيت على تربة ندية (مبللة بالماء) وتغطى بالفدام (ألياف النخيل) أو قطعة كتان أو إناء بعد ملئها بالماء وتبقى جاهزة للشرب.
أيضا من بين ما يحفظ فيه الماء الشروب "القربة"، وهذه الأخيرة تصنع من جلد المواشي، بحيث بعد الذبح والسلخ نحتفظ بالجلد بعد دبغه ونزع بعض الشعر منه وتشكيله على شكل قربة وتخييطه، وبعد تنظيفه جيدا يخصص لحفظ الماء الشروب ليصبح باردا.
ومن بين ما يحفظ فيه الماء الشروب أيضا "البيدون" (الدلو) المغلف، هذا الأخير هو "دلو" أحد السوائل بعد إفراغه أو انتهاء السوائل منه، يتم تنظيفه جيدا ويغلف بالحلفاء، وهذه الأخيرة اسمها العلمي اللاتيني "stipa tenacissima"، وهي نبات دائم الخضرة يزهر في الفترة من ماي حتى شهر جوان، يستعمل في صناعة الورق، كما يستعمل في الحياة اليومية للأثاث في الطبخ والنقل والصناعات التقليدية.(1)
وكان السكان يقتنون الحلفاء من التجار الذين كانوا يبعيون في أكياسها مختلف الحبوب والسكر والشاي، وعليه كانوا يحتفظون بالأكياس لعدة أغراض، من بينها تغليف الدِلاء.
تتم هذه العملية بواسطة مخيط (إبرة كبيرة) بعد وضع قطعة كتان على كامل "الدلو" ثم وضع قطع الحلفاء فوق الكتان وتخييطه لتغطي هذه الأخيرة كامل "الدلو" ثم يتم تبليل "الدلو المغلف" بالماء من حين لآخر حتى يبرد الماء جيدا.
"بيدون الماء المغلف" يساعد في الحمل والتنقل من مكان إلى آخر وفي البستان والسفر إلخ...
كل هذه الأفكار وغيرها، كان يلجأ إليها السكان من أجل صد حرارة الجو الشديدة واللجوء إلى إنجازات بسيطة وغير مكلفة ومن صنع أيديهم، لحفظ الماء وتبريده بطريقة تقليدية، وبالتالي تغلّبوا على قساوة الطبيعة الصحراوية الحارة.
فما أعظم أفكار وإنجازات الساكن بالصحراء رغم قلة الإمكانيات ولكن وظف بكل حرف مقولة: #"الحاجة أم الإختراع".
(1) مرجع: د/ مصطفى دحية، "النباتات الطبية في السهوب الجزائرية"، دار كردادة للنشر والتوزيع، ص: 93.
● الباحثة في التراث عائشة بلبالي صاحبة صفحة "ميراث الأجيال".

التعليقات
(لا موضوع)
(لا موضوع)
(لا موضوع)
(لا موضوع)
وفقك الله يانشطة
(لا موضوع)
وفقك الله يانشطة
(لا موضوع)
▪︎اختكم عائشة بلبالي رىيسة التعاونية الثقافية ازليات فنون وتراث الاجيال باحثة ومهتمة بالتراث - ولاية إدرار
إضافة تعليق جديد