تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
الصحفي وليد مذكور المهتم بالشأن الإقتصادي في حوار لـ "الجزائر برس": لايعقل أن يظل غذاء الجزائريين مرهون باستيراد مواده الأساسية من الخارج!!

حوار لـ زهور غربي

  ملفات اقتصادية ثقيلة على طاولة الحكومة تنتظر البت فيها والإفراج عنها مع بداية هذه السنة الجديدة، خاصة وأن الوضع الإقتصادي غير مستقر.

  في هذا الحوار مع الأستاذ الصحفي المتخصص في الشأن الإقتصادي وليد مذكور، سنحاول الإجابة على عديد التساؤلات التي تدور في فلك قانون الإستثمار الجديد، دخول إتفاق منطقة التبادل الحر حيز التنفيذ، أزمة السيولة وتعويم الدينار، وماذا تحقق في قطاع الفلاحة الذي تعول عليه الدولة بقوة، ومحاور أخرى.


* يُرجع بعض المختصين الأزمة الإقتصادية، إلى النظام البنكي والجبائي، كيف ذلك؟

//إصلاح البنوك سيكون بالتوجه للنظام الإلكتروني//

Image removed. أعتقد أنه من الضروري تطوير النظام الجبائي المعتمد في الجزائر والتوجه نحو رقمنته، ورقمنة النظام الجبائي من شأنه أن يرفع من مردودية التحصيل الضريبي ويحصر المتهربين ضريبيا، في حين أن البقاء بنفس النظام القديم سيرهن أي مساع للتوسع التدريجي لقاعدة الوعاء الضريبي، خاصة وأن قانون المالية يعتمد في مجمله على الجباية العادية، والتي وسعت بصفة كبيرة لمجابهة تراجع اسعار النفط.

  المجال يشهد تأخرا كبيرا، ما خلق مشكلة صعوبة التحصيل الضريبي في الجزائر، وأن الحل في ضمان توسيع الوعاء الضريبي وحصر المتهربين من دفع الضريبة يكمن في إصلاح ورقمنة النظام والشباك الرقمي، لكي تكون عملية التحصيل شفافة. رقمنة قطاع الضرائب، المالية، الجمارك وأملاك الدولة، سيرفع من التحصيل الجبائي.

  أما بالنسبة للبنوك فيتطلب الأمر إصلاحا شاملا للقطاع المصرفي في الجزائر، فالعالم توجه نحو البنوك الإلكترونية، وهي مخرجات التكنولوجيا المصرفية. فنشاط العمل المصرفي أدى إلى الإنتقال من العمل الورقي إلى العمل الإلكتروني، الأمر الذي قلل من إمكانية فصل المهام، وزاد من العمليات وضبطها والرقابة عليها.

  وفي ظل كل هذه التطورات المصرفية العالمية، على العكس في البنوك الجزائرية، لازالت تعيش مشاكل عديدة ومعقدة تظهر أثناء تقديم الخدمات، وتتمثل في الكفاءة والسرعة في الأداء، في ظل غياب شبكات تربط بين مختلف الهيئات المالية لتسريع تنفيذ المهام في وقتها الحقيقي، وهناك مشكل آخر، سرعة تدفق الأنترنت هي عامل معرقل للمؤسسات المصرفية. كيف نسعى لتطوير البنوك لازلنا نقطع الأنترنت في فترات الإمتحانات مثلا.

* أُعلن في عديد المرات وفي إطار الجزائر الجديدة، على التركيز على القطاع الفلاحي خصوصا تحويل المنتجات الزراعية وتصديرها، ما مدى تحقق ذلك في الواقع؟

//هناك عجز في تطوير شعبتي الحبوب والحليب!!!//

Image removed.قطاع الفلاحة في الجزائر تعلّق عليه آمال كبيرة، فالإنتاج الفلاحي حافظ على مردوديته في زمن "الكورونا"، أتحدث هنا عن الخضر والفواكه. فمن هذا الباب يمكن تطوير حلقة مهمة هي الصناعات الغذائية التحويلية، نظرا للفائض الموجود في الإنتاج، لكن هذا الفائض يتطلب وجود العديد من الحلقات الغائبة في الصناعات الغذائية والتحويلية، كمصانع التحويل، التغليف، اللوجستيك والنقل، فيمكن للجزائر تأمين السوق المحلية بالمنتجات مع تشجيع هذا الإنتاج وتعليق استيرادها من خارج الوطن.

  لكن نتأسف على عجز المخططات الحكومية السابقة والحالية، في وضع مخطط لتطوير شعبتي الحبوب وكذا الحليب، فلا يعقل كل هذه التبعية للخارج، والجزائر امتلكت أفضل شتلات القمح في العالم، على غرار شتلات بلبشير، والقمح البليوني، التي وصل صداها لأمريكا وكامل أوروبا. هناك تراخي في تطوير مجال البذور في الجزائر، وتقديم مخصصات مالية لتطوير البحث العلمي. يجب تقديم كل الأولوية وكل التسهيلات والدعم لخريجي المعاهد والجامعات والمدارس الفلاحية، للإستثمار واستصلاح الأراضي، إذا أردنا أن يكون القطاع محركا إقتصاديا فعليا وخالقا للثروة.

  الحكومة مطالبة بالمناورة في تطوير شعبتي الحليب والحبوب، لايعقل أن يظل غذاء الجزائريين مرهون باستيراد مواده الأساسية من الخارج، خاصة من فرنسا، كما عليها دعم الشعب الفلاحية التي أظهرت تحسنا وهيكلة، كشعبة الزيتون وزيت الزيتون، فالزيوت الجزائرية تحصلت على العديد من الجوائز من الخارج، لأجود زيت زيتون البكر الممتاز، وهناك عدة طلبات لتصديرها إلى العديد من الدول الأوربية، كفرنسا، إسبانيا، بريطانيا وحتى من روسيا وكندا، فيمكن تشجيع المصدرين على التصدير، إذ هناك شكاوى عديدة من الإجراءات المعرقلة للتصدير للأسف، فمن غير المعقول استيراد ما يقارب 1.2 مليار دولار من مسحوق بودرة الحليب، و300 مليون دولار من مشتقات الحليب.

  الجزائر تستورد أزيد من 1,5 مليار دولار من القمح اللين سنويا، دون احتساب القمح الصلب ومستوى الاستهلاك الحقيقي لهذه المادة عبر الوطن يعد أقل من حجم الواردات.

* شدد رئيس الجمهورية سنة 2020 على حاجة البلاد لقاعدة صناعية صلبة تعتمد على المؤسسات الناشئة المبتكرة، هل نسير اليوم نحو ذلك؟

//أكبر مشكلة تواجه المؤسسات الناشئة أن التشريع الجزائري لا يحمي الخدمات المبتكرة!!!//

Image removed.الأصول الصناعية سواء في القطاع الخاص أو العام موجودة، لكن لا بد أن تهيكل مع إعادة تقييم شامل. والمؤسسات الناشئة هي عمود الاقتصاديات الفتية في العديد من الدول، فالمؤسسات الناشئة معظم أصحابها شباب يمتلكون الإرادة وحب النجاح، لكن يبقى التأطير والمرافقة عاملين أساسيين، بالإضافة إلى الدعم المالي، خاصة لخريجي الجامعات. وهناك إشكالية موجودة على أرض الواقع، فالشركات الناشئة في الجزائر تخشى من عدم تلقي مستحقاتها المالية من قبل المؤسسات، لأن هذه الأخيرة تمتلك كل القوة، والتشريع الجزائري لا يحمي الخدمات المبتكرة.

  وهناك نقطة في غاية الخطورة أقدمت عليها العديد من السفارات الأجنبية في الجزائر، هي الإستحواذ على أفضل خريجي الجامعات وأصحاب الابتكارات والأفكار وإغرائهم بتحسين أوضاعهم في الخارج وتبنّي مشاريعهم. للأسف نزيف هجرة المادة الرمادية متواصل.

* كيف تعلق على تراجع مداخيل الجزائر من النقد الأجنبي ؟

Image removed.تراجع احتياطي النقد الأجنبي بنحو 15.6 مليار دولار، حيث انخفض الاحتياطي إلى 51 مليار دولار مع نهاية سنة 2020. والتوقعات للسنة المقبلة أنه سيتراجع إلى 37 مليار دولار بسب عجز الميزان التجاري. واحتياطي الصرف هو الممول الوحيد للتجارة الخارجية، ناهيك عن تراجع الجباية النفطية بصفة رهيبة، ولن تتجاوز مداخيل الجباية النفطية لسنة 2021، 14 مليار دولار.

  هناك عجز كذلك للخزينة العمومية، وستضطر الحكومة لتقليل العجز بتحويل العملة الصعبة من احتياطي الصرف. والجزائر استنزفت 160 مليار دولار من احتياطي الصرف في ظرف 6 سنوات، إذ كانت احتياطيات العملات الأجنبية عام 2014 في حدود 200 مليار دولار، وهذا مؤشر سلبي، وكان صندوق النقد الدولي قد قدّر الانكماش الإقتصادي بـ 5.5% سنة 2020.


* ماذا عن تقهقر قيمة الدينار اليوم؟

Image removed.للأسف هناك توجه حكومي لتعويم الدينار، والدينار الجزائري في تقهقر مستمر، ليس أمام العملات الأجنبية فحسب، بل حتى أمام عملات دول الجوار، تخيّلي أن 1 أوقية موريتانية تساوي 3.5 دينار جزائري في السوق الرسمي.. هذا غير معقول.!!!

  تحاول الحكومة بهذا الإجراء كبح فاتورة الواردات من جهة، وحماية احتياطي الصرف من جهة أخرى، لكن هذا الإجراء سيرفع من التضخم، خاصة تضخم المدن، وهو انعكاس خطير على القدرة الشرائية للمواطن الجزائري، وهي ليست نظرة تشاؤمية، لكن الواقع فرض نفسه على الجزائري اليوم، وبدأ يشعر بالزيادات في الأسعار، فلا يعقل ارتفاع المواد الغذائية بـ 10 و20%، وكذلك مواد البناء، فالحديد تجاوز مليون سنتيم للقنطار، أي بارتفاع 40% ...إلخ.


* برأيك كيف يمكن القضاء على أزمة السيولة المتكررة سنويا؟

//هناك اكتناز للأموال في السوق الموازية وأيضا في بيوت الجزائريين!!//

Image removed.أزمة السيولة هي تداعيات الأزمة الاقتصادية وانهيار أسعار النفط، وكذلك الأزمة الصحية. في المقابل هناك ظاهرة اكتناز الأموال في السوق الموازية، فهناك أموال نائمة غير متداولة، تتجاوز 40 مليار دولار، ومن إفرازات الاكتناز، إنتشار تجارة الخزائن الحديدية، فحتى الأفراد يكتنزون أموالهم في البيوت، وأزمة الطوابير ستستمر رغم تطمينات المسؤولين بتجاوز الأزمة.. نعيش أزمة هيكلية للأسف.


* قررت الدولة أن قطاع تركيب وتجميع السيارات غير مجد، كيف ذلك؟


Image removed.أعتقد أن القرار يتجاوز وزير الصناعة، فالهدف منه كبح مزيد من نزيف العملة الصعبة لا أكثر ولا أقل، هناك تخوف من تكرار نفس قصص تركيب السيارات. للأسف لا نملك شركات مناولة قطع الغيار، ونسب الإدماج لم تتجاوز 7% بالنسبة لتركيب السيارات.

  لكن كان يمكن لأبناء الجالية اقتناء سيارات مستعملة بأموالهم بالعملة الصعبة وبيعها في الجزائر، مرروا عبر القنوات الرسمية، أي الصرف يفرض حسابه بالسوق الرسمي، وكذا حتى تكون هناك حرية دون فتح المجال لمزيد من نزيف العملة الصعبة، فيمكن لجاليتنا المساهمة في تحريك الإقتصاد.


* كيف ترى مستقبل التمويل الإسلامي أو الصيرفة الإسلامية ؟

Image removed.أعتقد أن هناك جدلية شرعية في الجزائر حول الصيرفة الإسلامية للأسف، ستعطل من تداولها، ولا بد من شرح أوفى بإبعادها عن الفوائد الربوية، وعلى الهيئات الشرعية التي تتولى الفتوى لصالح البنك أن تتواصل بشكل أكبر مع الزبائن، لأنها تكتفي حالياً بالمراقبة الداخلية للمنتوج.

  من جانب آخر، بنك الجزائر مطالب بإدراج شروط أخرى في الخدمات المالية الإسلامية لجعلها أكثر سهولة وشرح كذلك للمنتجات الإسلامية التي تعتبر قليلة جدا.


* ماذا عن قانون الإستثمار؟

Image removed.سننتظر ما سيحمله قانون الاستثمار الجديد بإلغاء قاعدة الاستثمار 51-49، والتساؤل هنا هل سيحرر روح المبادرة ؟ وهل سيتمكن المتعامل الأجنبي من الإستثمار في الجزائر دون تمييز بينه وبين المستثمر الوطني؟

  كما لابد من تحسين مناخ الأعمال في الجزائر وإبعاد الإدارة وبيروقراطيتها المقيتة والمنفرة للمستثمرين، فكم من مستثمر غادر الجزائر بسب الإجراءات التعقيدية المثبطة وغير المحفزة، حتى يتمكن المستثمر الأجنبي من جلب رأس ماله لتمويل المشاريع والاستثمار هنا في الجزائر.


* سنة 2021 عرفت دخول إتفاق منطقة التبادل الحر الإفريقي حيز التنفيذ، هل سيعود هذا الإتفاق ايجابا على الإقتصاد الوطني؟

//إتفاق منطقة التبادل الحر هو فرصة للجزائر وعلينا التعامل مع الأمر ببراغماتية!!!//

Image removed.هي أهم خطوة قامت بها الجزائر في سنة 2020 بالنسبة لي، فالتبادل التجاري السنوي بين الجزائر والبلدان الإفريقية الأخرى مجتمعة تقدر بـ 3% من إجمالي حجم التجارة الجزائرية الخارجية.

  على الجزائر تسهيل كل الإجراءات لكسب ثقة دول الساحل وكذا نيجيريا ذات الكثافة السكانية الكبيرة. المستقبل للتبادل التجاري جنوب جنوب.

  وسبق هذا القرار إعادة تجارة المقايضة إلى الواجهة مع دول الجوار، لكن على الجزائر إعادة تهيئة طريق الوحدة الإفريقية، ويمكن لها ذلك، وتهيئة البنى التحتية سيمهد ذلك لرفع المبادلات التجارية، ويمكن تمويل مشاريع النقل عن طريق شركاء استراتيجيين كالصين، إنطلاقا من ميناء الحمدانية بشرشال.

  الجزائر أمام فرصة، وعلينا التعامل ببراغماتية بما يخدم مصالح الجزائر.


* كيف يمكن تطبيق استراتيجية لإستغلال الثروات المنجمية وخاصة الذهب في الجنوب؟

Image removed.عندما نتحدث عن الاستراتيجية علينا أن نتوقف عند أهم شي هو هندسة المشاريع، للأسف لازالت الجزائر متأخرة في هذا الجانب، ولازلنا نمنح دراسة المشاريع لشركات أجنبية ترسل مهندسين أجانب فاقدي للخبرة والتجربة.

  على الحكومة اختيار مكاتب دراسات حقيقية ووضعها تحت الرقابة، كما يمكن الاستنجاد بالنخب الجزائرية الموجودة في الخارج، لأن مسالة استغلال المناجم الجزائرية واستخراج المواد الأولية كالمعادن النفيسة والنادرة مسألة حساسة نوعا ما، فمثلا "غار جبيلات" منجم لغز يخفي في باطنه المئات من المواد الأولية النادرة التي تستعمل في الصناعات الفضائية والهواتف النقالة ....الخ.

  أما استغلال الذهب فيتطلب دفتر شروط محدد ينظم استغلال باطن الجزائر من هذا المعدن النفيس. يبقى التشريع والتحكم في تكنولوجيات الاستخراج شيئان ضروريان، فالذهب يتطلب إجراءات للاستخراج، كاستعمال "سيناديد البوتاسيوم" في التكسير والتلميع، ولابد من تنظيم البحث أكثر بعيدا عن العشوائية.

* ربما هو سؤال عام، لكن ماهو المخرج من حالة الإقتصاد المنهك؟

Image removed.للأسف اقتصادنا ريعي. يكرس الدعم للمحافظة على طابع الدولة الإجتماعية.

  يقول "المهاتما غاندي" كثيرون حول السلطة وقليلون حول الوطن.. لابد من إبعاد السياسة عن الإقتصاد أولا.

  ثانيا الإعتماد على الكفاءات الحقيقية وليس التي تمارس الشعبوية عبر منصات التواصل، الباحثة عن المنصب.

  بإمكان الحكومة المناورة، مع طبع دينار جديد وسحب الدينار المتداول تدريجيا لاستقطاب أموال السوق الموازية.. رقمنة القطاعات خاصة المالية، الضرائب، الجمارك وأملاك الدولة .. إبعاد الإدارة من العملية الاقتصادية.. التفكير في مرافقة المؤسسات العمومية المفلسة التي استنزفت مليارات الدولارات.. الرفع التدريجي عن الدعم وتوجيهه لمستحقيه، إذ لايعقل اليوم أموال الدعم تصل 15 مليار دولار سنويا لمختلف المواد الغذائية والوقود والكهرباء والماء والنقل.

  وشي مهم كذلك، قانون انتخابات يسمح لترشح خريجي الجامعات والنخب الشابة للجماعات المحلية والنظيفة، حتى تحافظ على المرفق العام وتبحث عن خلق الثروة وفقط.

إضافة تعليق جديد