رفيق طيبي/ هناك نية لإصلاح الكتاب.. وهذه هي المقترحات التي قدمتها لوزيرة الثقافة!
حاورته زهور غربي
من بين كتّاب جيله النشيطين إبداعا، الكاتب والشاعر رفيق طيبي، المتوج بجائزة رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب في مجال الرواية عام 2015، ومن بين الذين وثّقوا للحظة بكتاب "257"، وهي الرواية التي ترصد اللحظات الأخيرة لسقوط الطائرة العسكرية ببوفاريك.
يخبر بالإضافة للشعر والرواية، تجربة جديدة في النشر والترجمة، من خلال دار "خيال" للنشر...
"الجزائر برس" تواصلت مع الكاتب، وكان لنا معه هذا الحوار حول تجاربه الإبداعية، ورسالته الأخيرة لرئيس الجمهورية..
* لو نتعرّف على تجربتك في الكتابة وكيف اهتديت للكتابة والابداع؟
ليس لدي الكثير لأقوله، جئت مصادفة!، أظن الكتابة اهتدت إليّ في مرحلة ما، فحين بدأت أكتب لم يكن لديّ وعي بها، لا أعرف ماهي، مارستها في شكل غواية وهواية طفولية للتعبير عن هواجس عاطفية بسيطة ويوميات لا أهمية لها عند الآخرين، ثم استمرّت الغواية مع التقدم في العمر وتخطي الأدب المدرسي الذي كان مقدمة صغرى عن الأدب بمفهومه الشامل، إكتشفت أن هناك عالما كبيرا اسمه الأدب، تتنافس فيه أسماء ولديه أعلام وهناك كتب تصدر، كان هذا متأخرا بالنسبة لي. شاب يقيم في بلدة مهملة ومنسية لا تصلها أخبار النقاشات الثقافية، وليس فيها مطابع ودور نشر، ولا تصلها كل الجرائد والمجلات. كان الفيسبوك مفتاحا لاكتشاف الآخر، التقرب منه وأخذ ما يعزز موهبة بدأ يلمحها الآخرون فيّ، كما لاحظوا إصراري الذي جرفني لطباعة أول كتاب "عاصفة العاطفة" بلا عمق ولا رؤية ولا مراجعة، كان ذلك الكتاب الطفولي أول مواجهة مع الجمهور، مواجهة عرّفتني على حدودي وقادتني لتعمق أكبر وتدبر في ماهية الكتابة، فانطلقت المراجعات الكبرى التي لم تتح لي إلاّ من خلال قراءة متون الكبار، القراءة درّبتني على شيئين أساسيين: أولهما معرفة حدودي، ثانيهما التواضع، فمهما كتبت ومهما تلقيت مدحا أو اهتماما أجدني ضئيلا تماما أمام تجارب عالمية ومتون تراثية يتطلّب الوصول إلى مستواها جهودا وعمرا من الكدح والشقاء.
* ماذا عن حوصلة منجزك الأدبي على تنوعه؟
لديّ كتاب أول شطبته من سيرتي الذاتية، وكتاب ثانٍ سأشطبه بعد حين، وروايتان ومجموعة شعرية.
* هل يمكن أن تقدم للقارئ تفاصيلا، لنقل تشويقا، لآخر أعمالك الروائية، "ليل الغواية"؟
ليس سهلا، أو بوضوح أكبر: ليست مهمّتي، حتى ولو كنت ناشر العمل، الذي يُفترض أن يروّج للعمل. اكتفيت بما كتب الأصدقاء والقراء والنقاد، أعيد نشره على الفيسبوك وأرحّب بكل الآراء، الكاتب الذي يتحدث عن نفسه كاتب هش ويشعر بالإهمال، وهذا الشعور ليس لديّ حاليا على الأقل.
* كيف جاءت تجربتك الجديدة مع النشر عن طريق "دار خيال" للنشر والترجمة؟
أن تنشر لنفسك فهذه مغامرة خطيرة جدا، هذا سيعفي النص من المراحل الطبيعية لصدور الكتاب، وهي مراحل ضرورية فيها نقاش حول المتن، التعديلات، التصحيحات دون حرج من المؤلف، حين يكون الناشر مستقلا.
دار "خيال" رد فعل عن التعامل مع المنتج الأدبي بسخرية وبدافع مالي بحت!
أن تنشر لنفسك فمعناه أن الزملاء لن يكونوا صرحاء معك بما يكفي، فمهما طلبت آراءهم ومهما قالوا الحقيقة لن يقولوها كاملة، حفاظا على مساحة محبة ليست ضرورية في العمل، وأيضا هناك شعور مهم وهو أن تودّع النص وتطوّح به في بريد الناشر بعد رحلة تعب وشقاء في كتابته، وتقول له: "تدبّر أمرك" وتمضي لنص جديد وراحة ما، هذا ما لم يحدث معي، أكتب ثم أراجع، ثم أتشاور مع من يراجع معي، ثم أتشاور مع المصمم مباشرة، ثم أطبعه وأنشره وأوقّعه لمن يطلب مني ذلك في معرض الكتاب.
* المتصفح لما تقدمه هذه الدار من أعمال عن طريق النشر والترجمة، والتعريف عن طريق وسائط التواصل الإجتماعي، وأيضا عن طريق التعامل الخارجي وليس فقط الوطني أو من حيث طريقة الإخراج والترويج لهذه الأعمال،... كل نشاطها مختلف عما تعودنا، كيف ذلك؟
ليست هناك أسرار أو خلطة سحرية خفية، يتعلق الأمر بالمعرفة، الجدية، والتحكم الثقافي والتقني في العمل بكل أشكاله ومتطلباته.
* عادة ما يشتكي الكثير من الكتاب من دور النشر لسبب أو لآخر، كيف يتعامل الكاتب الناشر _أنتم_ مع ذلك؟
وجود "دار خيال" هو رد فعل عن واقع وصل حدوده القصوى في العبثية والسخرية، وهي بديل من وجهة نظري لحالة من اليأس والتعامل مع المنتج الفكري/الإبداعي، باستهزاء وبرؤية مالية/انتهازية بحتة. وعينا الكامل بهذا الوضع دفع للبحث عن تجاوز الشكوى إلى تقديم البدائل وهذا ما نجحنا فيه حسب شهادات وآراء الذين تعاملوا مع "خيال".
* تفردت عن جيلك برسالة جريئة وجهتها لرئيس الجمهورية، تحدثت فيها عن ما أسميته "أزمة الفرد"، ما هي دوافع هذه الرسالة؟
أتابع الخطاب السياسي باهتمام، وألاحظ الجهود التي تبذل من أجل إقناع الشعب بأننا دخلنا أو مقبِلون على دخول جزائر جديدة.
خاطبت رئيس الجمهورية من أجل أن يحتل الإنسان الأولوية القصوى في الجزائر الجديدة!
من وجهة نظري الجهود الواقعية في مجال الفلاحة والصيد البحري والمحروقات وغيرها من القطاعات، قد تحقق رفاهية على المدى المتوسط، وقد تنجح بفضلها نخبة سياسية معينة في الإستمرار في الحكم، لكنني على يقين كلي ونهائي أن كل ما يبذل من جهود لن يخرج الجزائر من تخلّفها، وأن الإنحدار الثقافي والنفسي والشعور بالدونية والخواء الروحي وغياب الفعالية وكثير من الفدائح التي يعانيها الفرد الجزائري، ستستمر في إنتاج تخلّفنا وعطالتنا الحضارية، فبناء هياكل كبرى دون إنسان يعطيها الجدوى والأداء الجيد يبقيها كتلا إسمنتية بلا قيمة، وتدريس ملايين التلاميذ دون صناعة واكتشاف مواهب وعباقرة ونخب والعناية بها لتقود المجتمع، يجعل المدرسة بلا جدوى أو جدواها تستفيد منها دول أخرى، بعد فرار نخب ملاحقة بسوء التسيير والجهل والأمية الذين يسدّون البلد.
هذه أمثلة صغيرة عن أزمة الفرد وقد خاطبت السيد الرئيس من أجل التأكيد على ضرورة أن يحتل الإنسان الأولوية المطلقة في سياسته وبرامجه وإلاّ سنبقى هامشا مهملا في أجندة الحضارة.
* هل لقيت هذه الرسالة اهتماما من الرئيس، وهي الموجهة له بالدرجة الأولى؟
كتبت الرسالة ونشرتها وتفاعلت مع الأصدقاء والمثقفين الذين ساهموا في توسعة النقاش وإثرائه ومضيت، لا أعرف إن وصلت أو لم تصل، علما أنني أرسلتها عبر بريد الرئاسة المعلن عنه.
* كنتم من بين الذين التقوا وزيرة الثقافة مليكة بن دودة في مارس الماضي، وقدمت جملة من المقترحات، هلاّ تعرفنا عليها؟
فكّرت في نشر المقترحات في وثيقة مستقلّة، قد يكون ذلك مستقبلا، عددها 26 مقترحا، من أهمها تأسيس ديوان للأدب والنشر والترجمة، يُعنى بترجمة الثقافات العالمية وإطلاق عدد من المجلات، لكل اختصاصها الثقافي، وأيضا توطيد الصلة بين وزارة الثقافة والسياحة من أجل تحقيق مقترحات تخدم القطاعين معا، وأيضا الإنفتاح على العمق الإفريقي تداولا وترجمة وتعاونا، وخلق دائرة الشؤون الإجتماعية للمثقفين والفنانين وتأسيس ندوات سنوية للحوار الثقافي الجزائري الأوروبي... وغيرها.
* هل تجد اليوم بعد 07 أشهر ان الوزارة استفادت مما قدمت، وأخذت من جملة مقترحاتك؟
سوء الحظ! المقترحات اصطدمت بجائحة كورونا والحجر الصحي بعد أقل من أسبوع من تقديمها، لمست رغبة عميقة للسيدة وزيرة الثقافة في إطلاق مشاريع ثقافية وتنفيذ رؤية مختلفة للعمل الثقافي، الآن وقد بدأت الحياة تعود لطبيعتها، نحن ننتظر المستجدات. شخصيا أتمنى مراجعة عميقة لقوائم المسؤولين على قطاع الثقافة مركزيا ومحليا، فجزء كبير منهم لم يقدم ما يبرر استمرار وجوده، وأتمنى أن يدخل التسيير الثقافي عصرا جديدا يواكب التطلعات.
* يعد الصالون الدولي للكتاب فرصة هامة لدار النشر "خيال"، وأيضا للكاتب حتى يقدم جديده للقراء، ناهيك عن فرصة اللقاءات الأدبية وبين الكتاب والناشرين، كيف استقبلتم خبر تعليق الطبعة القادمة ؟
بأسف شديد، نأمل أن يعوض غياب المعرض الدولي للكتاب بنشاطات سنوية كبيرة ترعاها الوزارة، ميزانية المعرض كبيرة وإلغاؤه يتيح تحويلها لنشاطات أخرى تدعم الكتاب.
* نصبت وزيرة الثقافة مؤخرا لجنة خاصة بإصلاح الكتاب، مارأيك بذلك وأنت الكاتب والناشر؟
هناك نية حسنة في إصلاح الكتاب وتعزيز مكانته، هذا مهم. سُعدت بتعيين الصديق الروائي "إسماعيل يبرير" على رأس هذه اللجنة، فهو عارف ومتبصّر في شأن الكتاب، تمنيت لو عُيّن أعضاء إضافيون من خارج وزارة الثقافة والهيئات الرسمية، ليقدموا رؤى واستشارات قد تكون مفيدة.
* لا احتفاء بالشعر في الجزائر يقول أحدهم!! ..كيف يرد الشاعر؟
الجزائر تعاني شعريا منذ زمن، من وجهة نظري لم نفلح في الكشف عن إسم شعري كبير أو الدفع بأحد الأسماء الشعرية الجيدة للتقدم أكثر وجعله معروفا عربيا وعالميا. هناك احتقان على مستوى الشعر نفسه، وهذا لا يتعلق بالجزائر فقط، هناك حالة توجس من كل تجربة مختلفة جزائريا، الأمر معقد وتدخل فيه حسابات غالبا ضيقة وشخصية، ليكون الشعر بخير لابد أن يتصالح الشعراء وهذا مستبعد حاليا.
* هنالك تغليب للرواية على حساب أجناس أدبية أخرى.... هل تؤكد ذلك؟
الرواية مغلبة كمّا فقط.. والجزائر تعاني شعريا منذ زمن!!
التغليب على مستوى الكم صحيح، لكن على مستوى الجودة والعمق الفني والمعرفي قد يتوازى عدد الروايات الجيدة الصادرة في السنة مع عدد الدواوين الشعرية الجيدة مثلا!
* ماذا بعد "ليل الغواية"؟
كنت قد بدأت عملا روائيا جديدا، لكنني لم أتقدم كثيرا ولم تتضح لي معالمه، سأعود إليه وسأقدم تفاصيل حوله في فرصة أخرى.
* كلمة أخيرة لقراء موقع "الجزائر برس"
أشكرهم على قراءة الحوار، وأدعوهم لحماية أنفسهم من وباء كوفيد -19، والإهتمام بالثقافة أكثر، فوحدها ستجعل حياتهم أقل صعوبة.

إضافة تعليق جديد