تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
"الڨوّال" ماحي صديق يحكي الجزائر من خلال فنه!

حاورته زهور غربي

  يظل الڨوّال ماحي صديق، فنان المقام والمقال، يحل ويرتحل وفي جعبته الكثير من الحكايا، حكايا الزمن الجميل، ولونجة بنت الغول... رحلة عمرها أكثر من ربع قرن، ولا يتعب صاحبها من رواية فصول الأسطورة البائدة، إنه الصديق الذي يحمل الحكاية حبا وهمّا، فنا وإرثا... إنها الحكاية حين تتلبسك بشخوصها، وسردها وعقدتها وحلها.

  "الجزائر برس" تواصلت مع الفنان الراوي "ماحي صديق" وكان لنا معه هذا الحوار الذي يحكي فيه تفاصيل البداية، ويكشف فيه عن مشاريع قادمة وأخرى مؤجلة...

  سؤال: كيف كانت بداياتك الأولى مع هذا الفن؟

  * في الحقيقة لا توجد بداية واحدة لتعلُقي بهذا الفن، والبداية الأولى كانت مع والدتي، لما كنا صغار كانت تحكي لنا قصص وتخاريف، وكنا نقطن بحي شعبي عتيق بولاية بلعباس اسمه "الڨرابة"، والحياة كانت بسيطة جدا كانت الجزائر آنذاك حديثة الإستقلال، وبعد العشاء كانت الوالدة _رحمها الله_ (تخرفلي)، بمعنى تحكيلي قصص، تلعب في شعري وهي تحكي لي كل ليلة قصة مختلفة، وفي الحقيقة ولا مرة أكملت القصص التي كانت ترويها، لأني كنت أنام قبل أن أكمل النهاية.

  وفي الحي الشعبي "الڨرابة" توجد مساحة عامة تشهد سوقا شعبيا أطلق عليه اسم "الطحطاحة" -ومازال إلى يومنا هذا- وفي تلك الطحطاحة كان يأتي القواله ويأتي المداحه (شعراء ومغني الملحون)، وكنت من عشاق هذا الفن. ولأني كبرت على فن السمع، كنت أبقى لساعات طوال مع الڨوّالين وأيضا المداحه.

  والشيء اللافت أن لكل ڨوّال اختصاصه، هناك من يحكي على الرسل والأنبياء، وهناك من يروي قصص الغول.. وأنا الطفل الصغير في خضم كل هذه الثقافة الشعبية، كنت أتشرب من هذا المنبع.

  وما إن التحقت بالمدرسة كنت أعشق فن المسرح، وكانت لي تجربة مميزة مع أكبر حركة مسرحية عرفتها الجزائر المستقلة وهي حركة مسرح الهواة، ومهرجانها السنوي تحتضنه مدينة مستغانم.

  انضممت في ولاية بلعباس لفرقة مسرحية اسمها "الفصول الأربعة" مع مجموعة من الأصدقاء وقدمنا عدة مسرحيات، كما قمت بتكوين يخص تقنيات الآداء، وانضممت في مرحلة ما لنوادي السينما وكانت لي تجربة في التنشيط...

  كل هذه التجارب بالنسبة لي هي بدايات ساهمت في صقل موهبتي.

  وفي سنوات التسعينات لما كانت الجزائر تعيش ظرف خاص، وبحكم نشاطي الثقافي في مدينة بلعباس أحسست أن هناك ضغط يمارس علينا مثلما كان يقول "كاتب ياسين": "... الأماكن ضاقت بنا". وكنا نكتفي بلقاءات بيننا نتحدث فيها عن المستجدات والوضع الذي تعيشه الجزائر، وأنا كنت أحاول تلطيف الجو بحكاية أو قصيد شعبي.

  وهكذا استمرت يومياتنا وبقينا على ذلك الحال لمدة 10سنوات، في حينا كل يوم نحكي قصص وتلك هي انطلاقتي في هذا الفن. وبدأ أصدقائي يشجعونني وكانوا يشدون على يدي ويقولون أن قصصي وحكاياتي هي فقط كانت المهرب والمخرج والسلوى في ذلك الظرف. وشجعوني للخروج بهذا الفن للمدارس، والمستشفيات، الجامعات، المسرح..

  وكانت لي فعلا تجربة في بعض المدارس بسيدي بلعباس. وأذكر أول مرة طلبت ترخيص من أكاديمية التربية ببلعباس لتقديم حكايات في التراث الشعبي، رفضوا بحجة أن ما أقدمه هو تخاريف وأنهم يبحثون عن مهرجين، وحاولت أن أقنع بعض الأساتذة والمعلمين وفي الأخير نجحت. ونجحت تجربة "ماحي الراوي" في مدينة بلعباس وهذه كانت بداياتي. .
 

  سؤال: أساس الحكاية هو النص، كيف تشتغل على نصوص حكاياتك؟

  * فعلا، أساس الحكاية هو النص، هو عمودها الفقري، الأصل أن القصة شفاه، لكنها مكتوبة، ومثال على ذلك القصص العالمية مثل: كليلة ودمنة، ألف ليلة وليلة، أساطير بنو هلال، الهلالية... وأجمل القصص المكتوبة توجد في القرآن، وأنا مولوع بالشعر الملحون بالحوزي، الشعبي، الغيوان، الأغنية العيساوي.. وكنت أهتم كثيرا بالقصص التي يعيشها الشعراء... مثلا لا توجد أغنية في الشعبي تغنى ومعروفة وهي ليست قصة وأسطورة، وهذا هو أساس نصوص الحكايات.

  اشتغلت كثيرا على هذه النصوص، وحتى قبل أن أروي قصة شفاها، أتعامل معها بالورقة وأقوم بكتابتها، أتعامل مع النص، أنقحها لكي يكون هناك ميزان، وأجد الكلمات التي تناسب الحكاية والإيقاع والريتم. في كلمة واحدة أستطيع تلخيص الكثير من التفاصيل وأنقل من خلالها الكثير من الصور في ذهن المتلقي.

  سؤال: للأسف ظل هذا الفن ثقافة شفوية تتناقلها الألسن، ولكن النسيان ظل عدوه الأول، كيف تعاملت مع ذلك؟

  * حقيقة، قضية النسيان لهذا الفن مؤسفة، هناك تجاهل كبير لهذا النوع من الثقافة الشعبية. في الخطابات والكتابات الرسمية لما نبحث نجد لديه مكانة في المؤسسات الثقافية، لكن الواقع شيء آخر، وللأسف هناك عراقيل حتى لا ينتشر ويتطور هذا الفن أكثر لأنه فن خاص بالذاكرة.

  وللأسف الشعب الذي تمحى ذاكرته في خطر، والإنسان ينسى، وهذه الحكايات يرددها الكبار والصغار، مثلا حكايات أمي هي حكايات جدتي التي عمرها أكثر من قرنين مثل :حكاية "بقرة ليتامى"... وأنا بدوري أحاول نقل هذا التراث لعدة أجيال، وهي محاولة لإعطائه حياة أخرى.

  سؤال: كيف استطعت إعادة الحياة لبعض النصوص القديمة؟

  * هذا الفن أكبر من أن تروي حكاية وتذهب لحال سبيلك، وليس فقط للتسلية والترفيه، أنا أعتبره فنا متكاملا. واعتمدت في ذلك على عدة نقاط منها: احترام المستمع أو المتلقي، العمل على النص والكلمات، عدم التخلي عن الحكاية الأصلية والقصص القديمة، وحاولت إعطاءها إيقاع جديد، الإشتغال كثيرا على النص وهذا التزام مني... وأنا لا أطمع في ذلك لتحصيل مادي. هذا ميراث والدتي وأنا أحافظ عليه، لذلك أنا أعتبره فنا متكاملا وليس نشاطا وقتيا للترفيه والتسلية.

ماحي صديق: "فن الحكاية هو فن متكامل"

ماحي صديق: "أجمل القصص المكتوبة توجد بالقرآن الكريم"

ماحي صديق: "هناك عراقيل حتى لا ينتشر هذا الفن ويتطور"

ماحي صديق: "الحكي فن وإرث بالنسبة لي"

 

  سؤال: لديك تجارب في نقل الشفاهي إلى المكتوب، هلاّ نتعرف عليها؟

  * أول تجربة كانت عبر جريدة "اليوم" عن طريق نشر قصص وحكايات قصيرة. ونشرت عن طريق هذه الجريدة عدة قصص وكان لديها قراء كثيرون يتفاعلون معي ويشجعونني.

  التجربة الثانية كانت لقائي مع كاتب وشاعر من فرنسا اسمه "دانيال ديديك"، واقترح علي ترجمة إحدى حكاياته التي كتبها، وقمت بترجمة حرة، ثم قمت بكتابة قصة "حجرة القمرة" والتي خرجت عن دار أرماطون بباريس، وصدر الكتاب باللغتين العربية والفرنسية.

  التجربة أعجبت دار النشر التي عاودت الإتصال بي لنشر نصوص أخرى وفعلا، نشرت معها قصتين "بنادم لي كان يشوف ليل" و "مرايت(مرآة) الما"، بالعربية والفرنسية، لكن للأسف هذه الأعمال ولا مرة دخلت للجزائر.

  ثم أصدرت من وهران عن دار النشر "القدس العربي" كتاب "ملّى ملّى وحكايات من الجزائر"، هو كتاب يحوي 3 قصص "ملّى ملّى" ،"الطوير لي منقارو ذهب"، "الطوير لي يبشر بلخير"، هذه النصوص مكتوبة بالعربية الشعبية وقمت بترجمتها أيضا، الكتاب سبق وأن قدمته لوزارة الثقافة ليتم نشره وتوزيعه بشكل أوسع وأكبر، لكنني انتظرت كثيرا دون جدوى ولما يئست من الإنتظار اتصلت ببعض الأصدقاء ليعينونني على نشره وفعلنا ذلك.

  سؤال: زرت الكثير من المدن العالمية، وشاركت في الكثير من الفعاليات الثقافية، ماذا أكسبتك هذه التجارب؟

  حقيقة، شاركت في العديد من المهرجانات وقدمت لقاءات كثيرة عبر العالم؛ في تونس، المغرب، فرنسا، بلجيكا، سويسرا، إنجلترا، مصر، لبنان، الإمارات، الكونغو، إسبانيا. كنت أقدم الحكاية الشعبية الجزائرية، وأيضا دورات تكوينية.

  أوصلت تجربة "ماحي صديق" مع الحكاية، التي كان يرويها في أحد أحياء سيدي بلعباس، وأوصلناها للعالمية. "ماحي صديق" من خلال حكاياته يحكي الجزائر، ويقدم الجزائر للآخر، ويشرف العلم الجزائري المفدى.

  سؤال: هل أخذ هذا الفن حقه في بلادنا؟

  * أبدا، قطعا لم يأخذ هذا الفن حقه، على العكس في بلادي هذا الفن هو آخر إهتماماتهم، أتحدث هنا عن الواقع. لأن بالنسبة للمراسيم، الجزائر من الدول الأولى التي وقّعت على مراسيم اليونيسكو لحماية التراث المادي واللامادي، لكن نحن كفنانين ڨوّاله أو مداحه للأسف هناك نظرة دونية تلاحقنا. لا ينظرون لنا كفنانين متكاملين، بل كراوي يقدم الترفيه والتسلية. للأسف لازلنا جاهلين لقيمة هذا الفن، هذه الذاكرة، هذا التاريخ. وهنا أفتح قوس؛ فرنسا لما دخلت للجزائر سنة 1830 أول ما قامت به هو ترجمة الحكايات حتى تتعرف على ثقافة البلد. نتمنى أن تتغير هذه النظرة لهذا الفن.

  سؤال: تقدم هذه الأيام برنامج "الحكواتي عبر قناة اليوتوب بالمسرح الوطني، وأيضا حصة إذاعية، كيف جاءت فكرة هذين البرنامجين؟

  * الفكرة جاءت من عند المسرح الوطني، مشكور على هذه المبادرة. قدمت قصصا جميلة خاصة أنها تزامنت مع هذا الوباء. ولأجل تقديم نشاط ثقافي افتراضي مستمر، قبلت بفرح بالفكرة وقدمت 07 قصص (07 أيام، و07 ليالي) "روميضة وخوها علي"، "حديدوان"... دائما من التراث الشعبي وهو برنامج بث عن طريق صفحة المسرح الوطني بالفيسبوك وأيضا باليوتيوب.

  أما بالنسبة للحصة الإذاعية، المبادرة جاءت من عندي بعد أن فرض وباء كورونا حجرا صحيا على العائلات، واشتكى لي الكثير من الأصدقاء هذا الوضع، جاءتني الفكرة واتصلت بالإذاعة بعين تموشنت ورحبوا بالفكرة ومنحوني حيزا زمنيا كل يوم سبت على الساعة 10 ببرنامج اسمه "حكاية وحكاية"وهناك جمهور كبير يتابع ويتفاعل.

  وقبلها كان لي تجربة في إذاعة بلعباس وبرنامج "ماحي يحكي". وقبلها في إذاعة الغزال بمارسيليا.

 

  سؤال: هل هناك نصوص لك حولت إلى أعمال فنية؟

  * نعم لدي عدة أعمال :

- تعاونية من مدينة بلعباس في فن الغراغوز أعطيتهم حكاية وحولت لعرض العرائس، وقاموا بها بعديد الجولات وأخذوا بها جائزة أحسن نص.

- نص حكايتي" روميضة وخوها علي" الذي اقتبسه المسرح الجهوي بلعباس في سنة 2010 وأخرجها قادري محمد.

-اقتباس نص حكايتي "حجرة القمرة" للمسرح.

  سؤال: كيف تواجه الحكاية والحكواتي التقدم التكنولوجي الرهيب؟

  * أنا أرى الأمور من جهة أخرى، هناك إقبال كبير على الحكاية والقصة، وكورونا نقلت الحكاية إلى مواقع التواصل الإجتماعي واليوتيوب، وبهذا أصبح هذا التطور للتكنولوجيا مدعما للحكاية والتراث الشعبي، وبذلك نجد أن التطور التكنولوجي سمح لنا بتحرير الحكاية للجيل الجديد وجيل الأنترنت، من خلال مثلا تجربة المسرح الوطني وأيضا ردود الجمهور والمتفاعلين.

  سؤال: ما هي مشاريعك الجديدة؟

  * أنا أعكف على التحضير لكتاب جديد وهو مجموعة من القصص الخاصة بالتراث الشعبي، 07 قصص ورثتهم على والدتي -رحمها الله- أتمنى أن أسجل أعمالي على شكل تسجيلات صوتية CD، خاصة لو تساعدني المؤسسات الثقافية.

  للحكاية المسموعة جماليات من حيث النص، والبصمة الخاصة ب"ماحي صديق". أريد أن أترك "ماحي صديق" كعلامة فارقة في التراث والذاكرة الشعبية.

  كما أشتغل منذ ثلاث سنوات على نص الأسطورة المنسية للملك "سيفاكس" وهو عمل تاريخي تقريبا صار جاهزا وقدمت بعض أجزائه تجريبيا على هامش بعض العروض.

  كلمة أخيرة..

  * أتمنى أن تلتفت الوزارة الوصية بكل مؤسساتها لهذا الفن، وتهتم بنا كفنانين يقدمون فنا متكاملا.

إضافة تعليق جديد