تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
الرقص في الجزائر .. حين يوضع في زاوية الفن المعيب

لو سألنا أي شخص " هل تعتبر الرقص فنا " فسيتفاجأ هل يصنفه فنا .. أو شيئا أخر .. سيجيب "لا أعرف لكن حتما لا أقبل أن تكون ابنتي راقصة".. على النقيض نجد العديد من مدارس الرقص تفتح أبوابها للراغبين في ممارسة هذا النشاط الذي يعتبره البعض .. فنا .. فيما يعتبره البعض الآخر مجرد رياضة من خلالها نتخلص من كل المكبوتات ..هذين النقيضين جعلانا نستطلع الأمر في هذا الروبورتاج.

تحدي المجتمع و تقديم الرقص كفن راقي

          تشير الأدلة الأركيولوجية المكتشفة حتى الساعة أن الإنسان عرف الرقص منذ ما يزيد عن تسعة آلاف سنة، حيث عثر على نقوشات في كهف Rock Sheltersof Bhimbetka وهو موقع أثري معروف بالهند ..هذه النقوشات تدل على أن الرقص كان موجودا منذ تسعة آلاف سنة . فالرقص يعرف على أنه ثقافة و فن و تعبير عن إنسجام و حالة تربط المشاعر و الجسد بالكون على إثر نوتات موسيقية يجهل اسرارها الكثيرون هو فن أداء جسدي يترجم أحاسيس مختلفة مثل الفرح و البهجة و السرور كما يترجم الحزن و الغضب و القهر، فعلى مر التاريخ اتحذت معظم الحضارات رقصات خاصة بها. انتقلت بعدها عبر الأجيال وباتت اليوم هذه الرقصات بمثابة سفيرة تعبر عن حضارة و ثقافة كل بلد وهو الأمر الذي لا يعترف به العديد.. نزلنا إلى الشارع، سألنا أكثر من خمسين شابا من مختلف مناطق الوطن، كلهم يعارضون أن ترقص المرأة أو تمارسه أمام الجمهور، وماذا عن رقص الرجل، أغلبهم أجابنا أنه لا يتخيل نفسه راقصا وتقبل فكرة أن يرى شابا يرقص خاصة الرقص الكلاسيكي تبدو غريبة، أخبرونا أن هذا الفن غريب عن مجتمعنا.

           هذا الرأي الذي لا تعيره " ياموندا" أدنى إهتمام، أخبرتنا " ياموندا" التي تبلغ من العمر 18 سنة وهي مقبلة على شهادة البكالوريا أنها لا تتخيل حياتها بدون رقص، منذ نعومة أظافرها وجدت نفسها في مدرسة للرقص، تقول الأمر في البداية كان خيار والديها، لما كان عمرها 5 سنوات أراد والداها إدخالها مدرسة للرقص .. و مع مرور السنوات لم تعد تتخيل حياتها دون ممارسة الرقص .. تشارك في العديد من المهرجانات والتظاهرات وحلمها أن تحترف الرقص مستقبلا .. تقول أن جسدها يستجيب للموسيقى إذا ما سمعتها الأذن .. ترقص في الأعراس، في المناسبات في أي مكان توجد فيه الموسيقى. تقول أنه لا مستقبل للرقص هنا في الجزائر، فالجميع ينظر للراقص على أنه "شطاًح" بهذا المصطلح بنظرة دونية بعيدة عن الفن والثقافة.

" لينا" تحلم أن تكون نجمة ساطعة ترقص على مسرح "البولشوف" يوما ما، تحلم أن تكون راقصة عالمية شهيرة أخبرتنا " أعلم جيدا أن الأمر ليس سهلا، كما لم يكن يوما، فالرقص يتطلب تضحيات كبيرة، فبقدر المتعة، تكون الصعوبة، فالتقنيات صعبة جدا والتدريبات شاقة، لست مستعدة أبدا أن أضحي بسنوات من التدريب فقط لأن الرقص " عيب" في المجتمع الجزائري .. لكل وجهة نظره .. يكفى أن أرى ما أمارسه اليوم فنّا و لست مجبرة أن أبرر للجميع أن الرقص هو فن" ..

تعريف السيدة فطيمة ناموس مديرة البالي الوطني سابقا وصاحبة مدرسة رقص " أراباسك "

هذه المدرّسة تعود إلى التسعينات، حينها كانت لا تجرؤ أن تخبر الناس أنها تعلم الرقص، كان يزور هذه المدرسة الأصدقاء أو أبناءهم فقط ، فإذا كان خروج المرأة من بيتها حينها ذنبا، ماذا إذا كانت تخرج لتتعلم الرقص !! تعرّف السيدة ناموس الرقص على أنه، حركة الجسد، جمال الجسد، تعرفه على أنه لغة خاصة، و مفردات خاصة، تشبه الرقص الكلاسيكي بصولفاج الموسيقى الكلاسيكية المعروف عالميا .. وعن طريق هذه المفردات يستطيع أن يرسم لوحة كوليغرافية، يصرخ، يعبر بحرية و هو الأهم .. تقول أن اللغة الأكاديمية مهمة جدا في الرقص الكلاسيكي.

لقد احتل الباليه الكلاسيكي المعروف برقص البلاط المرتبة الأولى بين فنون الرقص على طول ثلاثمائة سنة، نشأ في القرن السادس عشر في إيطاليا وحتى بداية القرن العشرين، وقد حمل معه رعاية الملوك والحكام طيلة فترة ازدهاره.

من يهتم بهذا النوع من الفن؟

أكثر من عشرين ممارسة للرقص استجوبناها خلال زيارتنا لثلاث مدارس بالعاصمة.. معظم الفتيات عائلاتهن سجلتهن في مدارس الرقص .. لكن مظهر الفتيات اللاتي تمارسن الرقص يظهر أنهن من عائلات كبيرة .. ليست بالضرورة غنية جدا .. لكن من خلال لباسهن و ماركات سيارات الاباء يبدون من أي طبقة، هن من تلك التي يطلق عليها الطبقة الراقية .. المتفتحة على الثقافات الأخرى .. ذات مستوى ثقافي معين، من خلال استجوابي لهن استطعت أن أعرف أن أحد الآباء إما طبيب، رجل أعمال، الأب صاحب شركة للأدوية، أم صحفية، فنانة.. رغم ذلك هناك منهن من لا تريد مواصلة الرقص .. بل تمارسه فقط كهواية . لما اخترتِ الرقص إذن؟  "لا أعرف " أجبن. هنا إذن نكون أمام هواة فقط ، حفاظا على الرشاقة ، للتخلص من الضغوط اليومية، لرغبة ما في ممارسة الرقص .. او لترجمة المستوى الثقافي أو الرفاهي للعائلة، لكن لا مجال للاحتراف مستقبلا.

إذا كانت ترفض لبناتها إحتراف الرقص ..لماذا إذن تختار العائلات الرقص ؟

رغم التظاهر بالتفتح وقبول العديد من النشاطات أو الممارسات الدخيلة عن مجتمعنا لكن قلة قليلة يكون عدم احترافهم الرقص خيارا، بل الأغلبية تكون برفض من العائلة، رغم أنها تكاليف إضافية لا تقل عن سبعة آلاف دينار جزائري . أعباء إضافية، جهد إضافي، فما هي النتيجة وما هو الهدف ؟؟ استجوبنا إحدى الوالدات، فأخبرتنا أنها ترغب أن تكمل ابنتها الرقص، لكن والدها يرفض الأمر . لماذا قبل من البداية اذن ؟ وقوفا عند رغبتها، لها صديقة تمارس الرقص وأرادت أن تسجل معها، لا أنكر أن الرقص عاد عليها بالعديد من الفوائد من حيث الالتزام، و التفوق في الدراسة، و تجاوز الخجل الذي كان يشكل لها مشكلا كبيرا في العائلة و في المدرسة، لا أخفيك أمرا إن أخبرتك أنني أريد أن تحترف ابنتي الرقص مستقبلا، لكن والدها لن يقبل.

هل الرقص فن دخيل عن مجتمعنا ؟

في الجزائر تشتهر كل منطقة برقصاتها الخاصة .. فهذا التعبير الجسدي يصنع خصوصية كل ناحية، للعاصميين رقصة خاصة، شأنها شأن منطقة القبائل، منطقة الشاوية، منطقة أولاد نايل، نجد بأقصى الجنوب وبتمنراست تحديدا رقصة تاكوبا مثلا يؤديها الرجال أثناء الأعياد والحفلات، للتعبير عن المعارك والانتصارات الملحمية والبطولية للبقاء على قيد الحياة والحفاظ على شرف القبيلة وإذا توجهنا إلى الغرب الجزاٍئري نجد لعلاوي والرقادة وغيرها من الرقصات التي تصنع خصوصية كل منطقة لكن عادة ما تمارس هذه الرقصات في الأعراس أو المناسبات التقليدية أو المهرجانات .. أما إذا خرجت عن هذه الأطر و مُورٍس الرقص كفن .. فإنه سيصنف في خانة الفن المعيب.

إستطلاع : أ.م

 

 

التعليقات

إضافة تعليق جديد